كتاب وأراء

من أسباب «التدعش»



هنا معلومة تستحق التأمل، فحسب الإحصاءات التي يتم تداولها «بلغ عدد سكان الوطن العربي 357 مليون نسمة، بينهم 46 مليون شاب في الفئة العمرية 15-24 سنة يبحثون عن حياة آمنة وحرة وكريمة، والأغلبية لا تجدها». وهنا سؤال يستحق التأمل أيضا، أبعد كل هذا نسأل «لماذا يتدعشون؟».
الاستنتاج المنطقي لهذه المعلومة وهذا السؤال هو أن التطرف ينشأ في البيئة الفقيرة المعدمة، فعندما لا يجد الشاب العربي ما يعينه على نيل الحياة الحرة الكريمة فإن حرفه نحو التطرف يصير سهلا حتى على قليلي الخبرة في مجال غسل الأدمغة، فليس أسهل من إقناع شاب يرى الآخرين هانئين بينما يده مغلولة ويعرف أنه لا يستطيع أن يفعل لنفسه أو لأهله شيئا ليتحول إلى متطرف يفعل كل ما يطلب منه، فالشاب العربي المنتمي إلى تلك الملايين العاطلة مشروع تطرف قابل للتحقق في أي لحظة.
هذا يعني أن كل هذه الحرب التي تم تجييش الجيوش لها ورصدت لها المليارات لن تقضي على التطرف، ويعني أيضا أنه لو تم تخصيص نصف ما تم صرفه على التجييش ومحاربة المتطرفين لحل هذه المشكلة لانتهى التطرف ولأمكن التفرغ للبناء والتنمية.
منطقا لا يمكن للشاب العربي أن يرى نفسه في هذا الوضع ويسلم بالأمر كما هو حال فئة المنبوذين في الهند مثلا التي يؤمن المنتمون إليها أنهم إنما خلقوا ليعينوا الفئات الأعلى منهم على الحياة والاستمتاع بها وأن هذا هو قدرهم ولا حيلة لهم سوى التسليم به. ومنطقا لا يمكن للشاب العربي ألا يستجيب إلى من يدعوه إلى حياة أفضل وإن بدأت بحلم، فمثل هذه الدعوة توفر له على الأقل أملا في التغيير أيا كان.
باستثناء دول مجلس التعاون التي تكاد نسبة العاطلين والباحثين عن العمل من المواطنين تنعدم فيها كون أغلب هؤلاء يبحثون عن الوظيفة الأفضل وليس عن أي وظيفة فإن أغلب الدول العربية إن لم يكن كلها يعاني مواطنوها من مشكلات غياب الحياة الآمنة والحرة والكريمة ويعانون من البطالة، وهذا يفسر مسألة أن أكثر المنتمين للمنظمات المتطرفة والممارسة للعنف هم من الدول العربية الفقيرة والتي تعاني، ويفسر أيضا أن أغلبهم من الشباب.
مثلما أن واحدا زائدا واحدا يساوي اثنين كذلك فإن النتيجة المنطقية لعدم توفر الحياة الآمنة والحرة والكريمة للشباب العربي يدفع به نحو التطرف وتكفير الآخرين، فهو في هذه الحالة يتعلق بأمل ملخصه أنه قد يجد الحياة المنشودة في الآخرة خصوصا وأنه يرفع شعارات دينية وتم توصيله إلى مرحلة اقتنع فيها بأنه مشروع شهيد.
ليس هذا تبريرا لما يمارسه الشباب العربي من أعمال عنف مليئة بالتجاوز على الإنسانية ويرفضها الدين الذي يرفعونه شعارا ويحاربون باسمه، فهذا الذي يمارسه بعض الشباب العربي خطأ بل خطأ كبير واعتداء على الإنسانية والشرائع السماوية، لكن الفصل بين واقع الشباب العربي وحالة التطرف التي صار فيها مسألة صعبة أيضا.
بقلم : فريد أحمد حسن

فريد أحمد حسن