كتاب وأراء

حمد الفقيه: لا يقرأ ما يكتبه الآخرون

بحيلة الاستعارات الطويلة، والمتقنة، التي تشكل أحيانا بنية القصيدة كاملة، وكأنما الاستعارة لم تصبح وسيلة لتقريب الدلالة الشعرية، إنما أصبحت هي بنفسها هدفا تنتهي وتُنجز عنده القصيدة، في قصيدة: سأقول بلون حزين وشفاف:

«كأس على شكل قوام امرأة منحوتة

كدمية تنحني قليلا إلى الأمام وكأنها تنهي الرقصة

وبقليل من البلاغة تنظر إلى الوراء

حيث يحمل عشيقها...»الخ..

هكذا تمضي القصيدة، وتنتهي، في حيلة شعرية صميمة، دون أن تنتهي هذه الاستعارة.. بهذه الخطة، وخطط أخرى مبتكرة، مضى الشاعر السعودي «حمد الفقيه» في ديوانه الجديد: «الأشياء التي نفعلها باليد الواحدة»، الصادر سنة 2016 ميلادي عن دار مسعى للنشر والتوزيع، مضى لإنجاز عملٍ شعريٍّ يؤكد بأنه الصوت الشعري الأبرز في القصيدة الجديدة. تدخل، هكذا فعلت أنا على الأقل، إلى عالم تفهمه، لكنك لم تره قبل هذه المرة، لن تسأل عن شيء، وستستمتع بتخميناتك التي لا يهم ما إن كانت صائبة:

«عندما أكون صيادا

فلن تسألني عن هذا الطائر الذي أحمله

ولا عن الشجرة التي جلستُ

في ظلها طيلة عمري

أنتظر طائرا مفزوعا يحط عليها؛

ولا عن عمري الذي أصبح مبقعا بظل الشجرة

ولكنك ستقول ما نوع بندقيتك التي تحملها؟»

قصائد الشاعر حمد الفقيه، في هذا الديوان، وفي مجمل أعماله، ليست من تلك التي يمكن سبرها، لأنها، وبفنية مميزة، تنزع نفسها بكل الشراسة التي يمكن للقصيدة أن تمتلكها، من تربة الوظيفية، لتصنع لنفسها- لشاعرها أيضا، كونها المنجز النهائي للحظة خلقه الخاص– عالما لا يحيل إلى معرفة خارجية، أو يفهم من خلالها، لكنه يشكل معرفته الخاصة، غير ملتفتة، الم نقل غير مبالية، بأي معرفة أخرى، غير أن هذا الانقطاع بين عالمين، لا يفضي إلى تهويمات غير محسوبة، كما نلمسه، وتوصم به، قصيدة النثر في الغالب، لكنه يضل مشدودا بخيط رفيع، يستلهم السردي ويتآخى معه، خيط رقيق من الحكاية:

«الابن الثالث هو الذي سيلبس

ثياب إخوته التي تضيق عليهم

وهو الذي سيصلح ألعابهم

ويسرق دراجاتهم

وعندما تقع به وتجرح ساقه

سيترك الدراجة على الطريق

ويعود إلى البيت.....»

هكذا، خلال مجمل الديوان يخلق حمد الفقيه لحظاته الشعرية الخاصة، عن عمد يائس، يخاف من العدوى، وترعبه الموضة المزيفة من الاهتمامات، ويقدم وعظا شعريا، لا يمكن لك إلا القبول به مهما كان موقفك من الفكرة الوعظية نفسها: «لا تقرأ ما يكتبه الآخرون

ولا تطل النظر في عاداتهم الوضيعة

في صناعة الشعر

سماع نباح كلب لليلة واحدة

سيجعلك تصحو وأنت تنبح

أنصحك بأن تكون عاداتك الخاصة

عاداتك التي لن تجد مثلها

على أرفف السوبرماركت

ولا في أسواق السلع المستعملة

ابدأ بهذا

تصرف وكأنك بلدة

مغمورة بالمياه».

في النهاية، عن عمد أوردت كل ما سمحت به هذه المساحة من قصائد الديوان، بل أنني كتبت قصائد كاملة، لا لشيء، وإنما كي أفسح المجال كاملا لنماذج قل أن تتكرر في قصيدة النثر العربية، ومتخلصا في الوقت ذاته من مغبة التورط في مقاربة عمل بهذا العمق والتميز، يسمح فقط بالإشارة إليه عن بعد، وباحترام تفرضه دائما الأعمال العظيمة على متلقيها.

فهد ضيف

ضيف فهد