كتاب وأراء

المس الذي يحدثه مرور سر بجانبك



كل الجبال التي تنتهي «بقرية» عند قمتها.. يمكن لها أن تكون مكاناً مناسباً لما حدث..
كل ما يحتاجه حدث من هذا النوع: جبل يوجد في منتصفه أماكن للجلوس.. صخور على هيئة مقاعد.. ثم في القمة توجد القرية
والقرية يوجد بها أطفال، أطفال كثيرون، يمكن أن يتحركوا باتجاه الوادي، حيث أمهاتهم أسفل الجبل، أو يبقوا في القرية.. ومن الممكن أن ينتظروا في المنتصف.. حيث الصخور التي على هيئة مقاعد..
ثم هناك الأمهات، الأمهات الكبيرات في السن، الأمهات الموجودات أغلب اليوم خارج المنزل، في الوادي.
الأمهات بالطبع وأثناء سيرهن الدائم بين الوادي والقرية.. صنعن طريقاً ممهداً بأقدامهن.. طريقاً يتجاوز العقبات الكثيرة التي تحفل بها الجبال دائماً.. طريقاً يمكن لأي إنسان أن يقطعه ركضاً فيما لو اضطر إلى ذلك.
عليكم لكي تفهموا المكان جيداً وما حدث به ذلك اليوم وأهميته، أن تستغنوا عن الآباء، والمزارع، وأنواع الأشجار، وأشكال المحاصيل والأصوات.. أن يكون المكان بلا جوانب، ولا خلفية، ولا سماء.. فقط جبل أسفله سفح، ومنطقة يمكن الجلوس بها في منتصف هذا الجبل، يمر بها بالتأكيد الطريق الذي صنعته أقدام الأمهات، ثم هناك في الأعلى القرية التي يوجد بها أطفال، أطفال كثيرون، منشغلون في أمور كثيرة، مختبئون في المنازل حيث الأكل، أو على الأبواب، أو في الطرق الضيقة، من الممكن حتى أن يكونوا منشغلين في أفكارهم الخاصة..
تقدموا خطوة أكثر جرأة، وأخفوا جميع الأطفال من القرية، كان من الممكن تنبيهكم إلى هذا الأمر سابقاً، أنا أعتذر، موضوع إخفاء الأطفال حتى من القصص أمر لا أجده إنسانياً بشكل كامل، احتفظوا فقط بطفل واحد في القرية، هذا الطفل يجب أن يكون في لحظة من تلك اللحظات التي لا يكون فيها سمع الإنسان جيداً، ليس بسبب عيب خلقي، ولكن لأنه في تلك اللحظة يكون منشغلاً بأفكاره الخاصة.
اتركوا القرية على هذه الصورة الآن، واتبعوا الطريق الذي ينحدر بكم إلى الوادي.. لو تتذكرون، في منتصف هذا الطريق، كما حدثتكم، توجد أماكن للجلوس، أماكن لها هذه الكيفية، لا يمكن السؤال كيف وجدت، لكن في كل جبال الدنيا، لا بد أن نعثر فيها على أماكن مناسبة أكثر من غيرها للجلوس، لنظن، كحل لهذه المصادفة، أن الجبال تعرف أن فكرة صعودها مرة واحدة.. من الأسفل إلى الأعلى، مثل أي صعود آخر، فكرة صعبة التنفيذ، وإنه إن عاجلاً أو آجلاً، سوف يحتاج من يصعد إلى الراحة، أو التأمل، أو العودة، لذا تطوعت بعض صخور الجبال لتأخذ شكل المقاعد..
باتباعكم هذا الطريق، المؤدي إلى أسفل الجبل، وقبل أن تصلوا إلى منتصفه تماماً، سوف تجدونني هناك.. تجدوني هناك وأنا أسمع جيداً، إذ علاوة على أنه لا يوجد لدي عيب خلقي فيما يخص السمع، لم أكن وقتها منشغلاً بأفكاري الخاصة.. كنت منتبهاً بشكل استثنائي..
تحتاجون إلى الانتباه لي أنتم أيضاً.. لكن ليس الآن.. بعد قليل.. الآن تجاوزوني، واتبعوا طريقكم إلى الأسفل..
هناك في الأسفل.. سوف تصادفون أما، بالطبع هناك عشرات الأمهات، الأمهات أعمالهن كثيرة، لكن عليكم إزالتهن جميعاً من الصورة، وهذا أمر غير إنساني، لكنه ضروري، هذه الأم تستطيعون معرفتها والإبقاء عليها من بين الجميع.. لأنها تقف فجأة.. تقف وتفكر قليلاً.. وأثناء تفكيرها القصير.. تنسى أنها كبيرة بعض الشيء.. وأن أقدامها لم تعد بذات المرونة السابقة.. وأن نشاطها أقل بكثير من السابق.. بعد تفكيرها القصير والصامت.. ولكن الحاسم بشكل عظيم.. تنطلق في الركض، الركض الذي ينسيها أنها أم متقدمة في السن، وبلا مرونة، ركض جاد وحقيقي، تتبع الدرب الذي ذكرته لكم سابقاً والذي صنعته أقدام مئات الأمهات أثناء صعودهن إلى أبنائهن في القرية كل يوم.. لكنها هذه المرة وعكس عشرات المرات السابقة تقطعه ركضاً..
لو كنتم أكثر دقة، لو تأملتم، ولم يكن لديكم أمر آخر يشغلكم، في وجه الأم قبل أن تنطلق، وقبل أن تنادي بذلك الاسم، نسيت، قلت لكم إنها انطلقت بعد تفكير قصير، لكني لم أخبركم بعد أنها بعد هذا نادت وبصوت مرتفع ومتكرر اسم ولدها الذي يختبئ داخل المنزل، منشغلاً بأفكاره الخاصة، لم أخبركم بكل هذا لأني بدأت في التوتر، بدأت لعنة تلك اللحظة تزعزع ثقتي في إمكانية أن أخبركم بكل شيء.
المهم فيما لو أنكم انتبهتم إلى وجه الأم أثناء انطلاقها في ركضها العظيم، ستجدونه خالياً تماماً من القلق، وهذه ملاحظة ضرورية، إذ ربما تظنون أنها شعرت بالقلق تجاه الابن المختبئ في الأعلى ومشغولاً بأفكاره الخاصة، لذا قررت القيام بهذه التجربة المتأخرة للإنقاذ، لا، عليكم أن تتأكدوا أن الأمر لم يكن كذلك أبداً، الأبناء في الأعلى لا يثيرون أي قلق للأمهات من هنا.. في السفح، هم في أسوأ الظروف مشغولون بأفكارهم الخاصة.. ثم الأمهات في القرى لديهن أمور كثيرة يقلقن عليها أكثر.. حسناً، وهذه المرة الأخيرة التي أطلب منكم القيام بمثل هذا الأمر: لو كنتم تمتلكون من الوقت ما يجعلكم دقيقي الملاحظة، وتأملتم في عيني الأم.. ستجدونها تلتمع بسر.. سر عظيم وغريب وغير مفهوم... سر استطعت أن ألمحه من حيث أخبرتكم أنني كنت أجلس في منتصف الجبل، وسر حتى أنتم تستطيعون مشاهدة بريقه في أي مكان تجلسون به الآن.. لمعة غريبة، متقدة، أخاذة، لمعة بعد كل شيء لا يمكن لي أن أصفها إلا بأنها سر الأسرار.
لنعد الآن إلى ركض الأم، قطعت السفح.. والدرب، صعوداً، ومروراً بي، دون حتى أن تلمحني، ربما لمحتني، دهشتي كانت من الكثافة بحيث إنه كان يمكن للأم أن تصطدم بها، لا يمكن لي أن أكون غير مرئي وأنا بكل تلك الدهشة، بالتأكيد لمحتني لكنها لم تهتم لوجودي، كان السر، طاغياً، كان متقداً، يوشك أن يفتك بها، لو انتظرت قليلاً، قبل أن تجرب قطع المسافة ركضاً، أظن أن هذا السر سوف يخرج من صدرها على هيئة أجنحة ليطير بها من أسفل الجبل إلى أعلى، إلى القرية حيث كان يختبئ الابن.. ركضت بطريقة لا يمكن وصفها.. مرددة بصوت مسموع.. واضح وحاد وغارق تماماً في الفرح.. اسم الابن في الأعلى..
تجاوزتني.. وقطعت الطريق.. مخلفة وراءها هذا النداء..
قلت لكم إنه من المهم العودة لي حيث كنت أجلس في منتصف الجبل، لا أظن الآن أن هذا الأمر مهم، لن تجدوا لدي ما يمكن لي أن أخبركم به.. غير أن هذه الأم.. اختفت في منزلها وهي تركض وتنادي باسم ابنها.
لا أعرف ما السر الذي يمكن أن تتذكره (أم).. ما السر الذي يمكن أن ينسيها أقدامها، وقدرتها، وعجزها المفترض على الركض.. لا أعرف.
لم تخرج لا الأم ولا ذلك الابن من المنزل طيلة اليوم، أو على الأقل طيلة الوقت الذي قضيته ذلك اليوم منتظراً..
في اليوم التالي.. وبعد أسبوع.. وفي الشهور التالية.. وبعد عدة سنوات.. وحتى الآن.. حين قررت أن أخبركم.. لم أعرف ما الذي دار بين الأم والابن ذلك اليوم.. ما الذي أخبرته لولدها.. سألته.. إذ إنني قررت أن يكون صديقي.. ليس لأنه مميز، هو معظم أوقاته مختبئ في أفكاره الخاصة، ويتصرف كرجل لا يسمع، السبب الوحيد الذي جعلني اختار أن يكون صديقي.. لكي يخبرني فقط..
أود أن أعرف.. هو وفي الأيام والشهور والسنوات التالية.. وحتى الآن يقسم أنه لا يتذكر هذا السر الذي أقول عنه.. وإلا لكان أخبرني به. من المؤكد أنني سأموت مكتئباً، أموت بشعور رجل فقد معرفة أمر كان يمكن له أن يغير حياته.
مثلما سيحدث لكم لو أخذتم أمراً ما حدث ذلك اليوم على محمل الجد.
بقلم : ضيف فهد

ضيف فهد