كتاب وأراء

قليل من الإنسانية .. من فضلكم

بعيدا عن مسؤولية الحكومة، عن الأسباب التي لا ينكرها إلا جاهل أو «طبال»، والتي تدفع الشباب إلى المغامرة والمقامرة باعمارهم، في رحلة هجرة، هم اول من يعلمون انهم سيكونون خلالها إلى الموت اقرب منهم إلى الحياة، ومع ذلك يغامرون لأن حياة البؤس والفقر وانعدام الكرامة، تتساوى مع الموت، ان لم يكن الأخير هو الخيار الأفضل.. اقول بعيدا عن ذلك كله.. فان الاسوأ من الاهمال الحكومي، وهذا التقاعس الرسمي، عن إنقاذ الضحايا.. هو تلك «اللاإنسانية»، التي يعامل بها الضحايا وذووهم، والناجون من حادث مركب الموت.
الناجون من الحادث، جميعهم مكلومون إما بفقد أبنائهم وزوجاتهم، أو بفقد الحلم وما أنفقوا من أجل تحقيقه، وفي كل الاحوال، ناهيك انهم قضوا ساعات طويلة في مصارعة شبح الموت في البحر، ورغم ذلك فاياديهم مقيدة بـ«الكلبشات» في أسرة المستشفيات باعتبارهم متهمين.
حالة «اللاإنسانية» المتفشية في المجتمع، لم ترحم أما قذفت بفلذة كبدها إلى البحر، على أمل ان يحيا كريما، فاستقر في باطن البحر، وتقاعست الأجهزة عن إخراجه، أو في افضل الاحوال تحول إلى جثة هامدة في كيس اسود مع قطع من الثلج. ليستنكر احد اعضاء مجلس النواب، وعضو بلجنة حقوق الإنسان بالمجلس عليها، دموع الثكالى وحزنهن على فقد الأبناء، بكلمات فشلت ان أجد وصفا لها لاغراقها في التدني و«اللاإنسانية»، ولذا سأنقلها كما وردت في احدى الصحف المصرية، كما هي، باعتبارها دليلا على الانحطاط الإنساني، الذي بلغ دركه الاسفل،.. يقول نائب الشعب: «كل أم بتعيط على ابنها اللي غرق نقولها عيب ما تعيطيش انت بعتي ابنك علشان حفنة دولارات».
ويضيف عضو لجنة حقوق الإنسان: «الأهل هم أول من باعوا الابن مش الحكومة.. ما نجيش نقف جنب الأهالى ونقول غلبانين هيعملوا إيه العيال سافروا علشان لقمة العيش، لا يا حبيبي مش من أجل لقمة العيش، من أجل الثراء، أنت عايز تبقى غنى وتركب عربية، عايز تسكن في شقة على النيل.. لما كلنا نسكن في تمليك مين اللى هيأجر؟ هو كلنا هنشتغل دكاتره!».. اطمئن يا سيادة النائب، ستبقى الشقق التمليك والفيلات الفاخرة والقصور الفارهة، حصريا لسيادتك وزملائك النواب، ومن تدافعون عنهم، من ذوي الجاه والمال والسلطان، وسيبقى امثال هؤلاء الذين حاولوا الفرار إلى غد افضل، وهم بالملايين، خدم قصوركم وملح ارض سلبتموهم اياهم، ومجرد هوامش في صفحات كتاب انتم من يملك اوراقه.
اطمئن ايضا يا سيادة النائب وطمئن السلطة التي تمثلها، - رغم انك نائب عن الشعب- ان احدا من الآباء والامهات، لن يجرح مشاعركم الرقيقة وأحاسيسكم المرهفة، بالبكاء أمامكم على فلذة كبده.
فقط نرجوكم ألا تدعو إلى محاكمة الاهالي على الحلم، ولا تطالبوهم بمصروفات عن إخراج جثث ابنائهم من قاع البحر، أو بثمن «الشيكارة والثلج».. نرجوكم.. قليلا من الإنسانية من فضلكم.
بقلم : محمود عيسى

محمود عيسى