كتاب وأراء

السير على طريق الغنوشي


مدخل:
(نحن نخرج من الإسلام السياسي لندخل في الديمقراطية المسلمة، نحن مسلمون ديمقراطيون ولا نعرّف أنفسنا بأننا جزء من الإسلام السياسي).
راشد الغنوشي.
-1-
منذ أن قال الشيخ راشد الغنوشي مقولته تلك، سرعان ما تصاعد الجدل داخل أغلب الحركات الإسلامية في المنطقة العربية بين مؤيد ورافض ومتحفظ.
في الفترة الأخيرة درج أحد القيادات الفكرية بالحركة الإسلامية السودانية المحبوب عبدالسلام وهو كان من أكثر المقربين للشيخ حسن عبدالله الترابي زعيم الحركة ورائد تجديدها في السودان، درج على القول بعدم صلاحية مشروع (الإسلام السياسي) للتعامل مع تحديات ومتطلبات الراهن.
قال المحبوب في منتدى فكري بالعاصمة البريطانية لندن:
إن الإسلام السياسي جزءٌ من دورة التجديد التي استنفد أغراضه وأن دورة إحياء الإسلام الحالية بدأت بنشاط الأفغاني ومحمد عبده وانتهت بحسن البنّا.
وخلص المحبوب إلى أن الحركة الإسلامية انتقلت من التجديد في الدين إلى الحداثة والتي تعني مواكبة الكسب الإنساني حيث لا تتعارض المفاهيم الحديثة من ديمقراطية وحقوق إنسان مع الإسلام.. وقال المحبوب إن العدالة العالمية جزءٌ من التطور الإنساني.
-2-
ما كان مدهشاً بالنسبة لي في تصريحات وأقول الغنوشي والمحبوب هو اعتمادهما مصطلح (الإسلام السياسي)، وهو مصطلح تم سكه من قبل المناوئين للأطروحات الإسلامية، يستبطن اتهام كل الحركات الإسلامية بأنها تستغل قدسية الخطاب الديني لتحقيق المكاسب السياسية.
مصطلح الإسلام السياسي هو مصطلح سياسي وإعلامي استخدم لتوصيف حركات تغيير سياسية تؤمن بالإسلام باعتباره نظاماً سياسياً للحكم واستقرت التسمية بعد أحداث 11 سبتمبر 2001.
ربما كان مفهوماً للمتابعين والمراقبين خروج الحركات الإسلامية من محفوظاتها القديمة وتصوراتها المعروفة إلى أطروحات جديدة يتسع فيها التقدير السياسي والبراغماتي ولكن دون الوقوع في شرك المصطلحات التي تختزل المشاريع الإسلامية المتعددة في وصف يدمغها بالإدانة.
-3-
تأثيرات خطاب الشيخ راشد الغنوشي وجرأته في التعبير عن ضرورة التغيير في تصور الذات وتعريف الآخرين لا تقتصر على الحركة الإسلامية السودانية فقط.
لا يزال الجدل محتدماً في المملكة الهاشمية الأردنية داخل التيارات الإسلامية التي تبدو منقسمة لثلاثة تيارات أهمها التيار الذي يدعو لنهج الغنوشي في الفصل بين السياسي والدعوي والتماشي مع دستور النظام الهاشمي والعمل كحركة وطنية أردنية مقطوعة الصلة عن مركزية جماعة الإخوان المسلمين والاندماج في السياسة الأردنية اندماجاً كاملاً.
في مملكة المغرب في وقت سابق، قدم بن كيران نفسه بصفته سياسياً، أولاً، وإسلامياً، ثانياً، مقراً بشرعية الملك والمملكة، وناصراً لها، لا بديلاً عنها.
من الواضح أن أغلب التيارات الإسلامية الحديثة ستمضي في اتجاه تونس الغنوشي وتركيا أردوغان، ومغرب بن كيران.
نعم، من المؤكد وجود ثمة علاقة بين تحسن الأداء السياسي لقيادة الحركات الإسلامية وسرعة سيرها في اتجاه التغيير والتجديد ومقدار ابتعادها عن المدرسة الإسلامية في صيغتها التقليدية ذات الميول السلفية.
-4-
رغم أن تركيا أردغان هي صاحبة السبق في اختيار هذا الطريق إلا أن الشيخ راشد الغنوشي هو الأجرأ في التعبير عنه.
أراد راشد الغنوشي النأي بالدِّين عن المعارك السياسية، مع التحييد الكامل للمساجد عن خصومات السياسة والتوظيف الحزبي، لتكون مجمعة لا مفرقة على أن يظل الدين باعثاً ومحرضاً على أفعال وقيم الخير في كل ضروب الحياة العامة بما فيها السياسة.
ووضح أن التخصص الوظيفي بين السياسي وبقية المجالات المجتمعية، لم يكن قراراً مسقطاً أو رضوخاً لإكراهات ظرفية، بل كان تتويجاً لمسار تاريخي تمايز فيه السياسي عن المجتمعي والثقافي عن الدعوي.
-أخيراً-
السؤال الذي ستجيب عنه قادم الأيام هل باستطاعة الحركات الإسلامية التنازل عن المشاريع والشعارات القديمة مع الاحتفاظ بجمهورها من المنتمين والمتعاطفين أم أنها ستجد نفسها خسرت بلح الشام ولم تبلغ عنب اليمن؟!

بقلم : ضياء الدين بلال

ضياء الدين بلال