كتاب وأراء

الناطور الشامخ

كان يعمل ناطوراً في مدرستي.. وقد مر بي العشرات ممن يعملون بذات المهنة، لكن لم يطل أحدهم رفعة جديته ومثاليته.
وقفته بباب المدرسة بعيون صقر فاحصة ليُسلم الطالبات لذويهن فقط، بعد انتهاء الدوام الدراسي حتى الثالثة والنصف مساءً مازالت عالقة بذاكرتي، ثم يُغلق هذا الباب الذي كان يحمل اسمه «باب عم فوزي»، ليبدأ رحلة عمل أخرى منها مسح أرضية الممر الرخامي الطويل للمدرسة.
ولكم انتبهت للطريقة الفريدة التي يَمسح بها عم فوزي أرضية الممر الطويل– زهاء 50 متراً- يومياً في الرابعة مساءً.
يبدأ من اليسار بجانب الفصول ويعود بالخلف، حتى يصل لآخر البهو.
كان يمسك بممسحة لها يد خشبية وشعر طويلان.. يقبض عليها كما يقبض رسامو المقاهي «التروتوار» في باريس على ريشاتهم ليبدعوا لوحاتهم على الأرضيات البازلتية.
وكانت حركة يده يُمنةً ويُسرةً تتوافق مع تكات عقارب ثواني الساعة، فكل مسحة يَخُصها بثانية لحركة اليمين تخاويها ثانية أخرى لليسار.. يفعلها بروتينية المتمرس المحترف لكن دونما ملل، فكأنه يلقي بريشته يميناً تارة ثم ينثرها شمالاً تارة أخرى بلونٍ مختلف.
وحيناً، كنت أخاله ريحاً حانية، تُطيح بالأغبرة بالهوينى شرقاً، ثم لا تلبث أن تتقاذفها غرباً.
وهيئ لي يوماً أنه يُراقص الممسحة رقصة «التانجو»، يقصيها فترتد إليه، ليُعيد الإقصاء فتعاود الرِدة.
هذا الرجل كان يؤدي عمله بفن واحترافية، وهو من قلة صادفتهم يُحبون بما يقومون به.
ولأنه كان هناك استحالة أن تضبطه متذمراً، لا من حرٍ ولا من غلاءٍ ولا أكبر من ذلك ولا أهين، فقد كنت أعمد لمحادثته.
وعلى انشغاله الشديد، فقد كان لا يرد كما لا يصد.. وكثر ما شكوت له من فظاظة بعض المشرفات، فكان يبتسم بعينين تواسيان.
ولطالما استرحت لهذا العم فوزي وكنت أتعمد مراقبة مشهد التنظيف اليومي الروتيني الخالي من الملل وكان يهالني كيف جمع بين الروتين والهمة مقصياً السأم كمن حالف بين ضرتين لا غيرة بينهن؟
وددت لو أحد كبار الرسامين قد شاهده، ليبدع عنه لوحة «شموخ الناطور».
كان عم فوزي أيقونة للنظافة، رجلٌ فَتيّ، شديد سمار البشرة، جبهته واسعة، لامعة، أنفه أشم ومحياه ينبئُك بأنك أمام إنسان أتقن فن الرضا والعصامية.
كان يعتني بهندامه رُغم ارتدائه للجلباب الفلاحي فحسب، لكنه جلباب مرتب ومكوي، بألوان سادة، بيج، وأزرق غامق يليق ويبرز سُمرته.
أخلاق عم فوزي كانت تفوق نظافة ملابسه الناصعة.. فصغيرة، كنت الحظ عدم تمييزه للطالبات التي يدفع عنهن أولياء أمورهن بقشيش عن أي أخرى.
كان يُقَابل المكافأة بابتسامة عرفان غير مصحوبة بانحناءة ولو بالرأس، مع حرصه على نقل معنى الشكر لمن يعطيه بنبرة صوت واضحة غير مبتورة أو مبتسرة، كما أنها ليست متبرجة أو مبتذلة.
أما وقد صِرتُ أماً، فقد هالني أن الرجل مرت من أمامه قوافل لفتيات ريّانات، على أنه لم ينظر لإحداهن نظرة- ولا بخائنة أعين- تجرح طفولتها أو تنتهك صباها.
كيف لهكذا رجل بقدر زهيد من التعليم أن بضبط لغة جسده على هذا النحو الراقي؟ ثم أين تعلم الرضا التطبيقي لا الشفهي؟
رحل عم فوزي عن دنيانا مذ يسير، لكن سيظل في حياة كل منّا ناطور أو أيقونة مثيلة في الخلق، تمر من أمامنا طيف ذكراه، كمنام لطيف يثرى أروحنا ويعمق إنسانيتنا ويثمن رؤيتنا للكون.
رحمك الله يا عم فوزي وتحية من دنيانا لك.

بقلم : داليا الحديدي

داليا الحديدي