كتاب وأراء

الفكرة أخطر من المادة

الفكرة تنتج المادة بدءا وأوّلا لذلك فإن الفكرة مثلا أخطرُ من القنبلة لأن الفكرة هي المنتج للقنبلة في حين لا تنتج القنبلةُ الفكرةَ. بناء عليه فإن المجال الرمزي والقيمي والأخلاقي ـ أو ما يسمى في الأدبيات الفلسفية بالبنية الفوقية التي تشمل عالم الأفكار والنظريات والرؤى ـ هو أهم الأحجار في البناء العام للأمة.
لكن لماذا نطرح هذه الفكرة اليوم وما هو دورها في موجة التغيير العربية؟ الجواب هو أن جوهر الصراع أو لنقل أن بعض جوهره قائم على مجال الفكرة لا على مجال المادة بمعنى أن المعركة لا تدور رحاها من أجل الأرض ولا من أجل الثروات وإن كانت تبدو كذلك وإنما تدور رحاها من أجل الفكرة ومن أجل الوعي الحارس لهذه الثروات على الأرض العربية وهو الإنسان.
اليوم نشهد على الأرض معارك طاحنة تأكل أطراف الأمة والبعض من هذه المعارك تسلل إلى قلب الأمة مثلما هو الحال في العراق وفي سوريا خاصة. هذه المعارك بما فيها معارك الدول والشعوب ضد المجموعات الإرهابية والجماعات الاستعمارية المتحالفة معها تتأسس على منظومة من الأفكار والقناعات التي تعمل في اتجاهين. يتمثل الأول في إذكاء الصراع وإطالة أمده ويتجلى الثاني في منع مقاومة العدو الخارجي وتصويره حاميا أو منقذا.
في العراق مثلا وبعد سقوط النظام القديم خلال حربي الخليج الأولى والثانية تفشى الاقتتال الداخلي بين مكونات الشعب الواحد وخرجت إلى السطح تناقضات كانت خلال الفترة الاستبدادية لحزب البعث دفينة في الوعي العميق للدولة والمجتمع والأفراد. وهي تناقضات لم يعمل النظام السياسي العربي على تفكيكها وتفكيك ألغامها خلال عقود الاستبداد التي ترجمها حكمه مما جعلها تتراكم وتتكدس وتنمو بفعل التخلف والقمع وتزاد حدة.
اليوم لم تعد الفكرة في كل تجلياتها الايديولوجية والفكرية والثقافية وحتى الدينية العقائدية موجهة نحو البناء ونحو تفكيك الألغام الاجتماعية والاقتصادية والسياسية على الأرض العربية بما هو دورها الأساسي والمركزي بل صارت جزء من هذه الألغام إن لم نقل إنها اللغم المركزي والأخطر في البناء الاجتماعي والحضاري.
في العراق يقاتل الشيعةُ العربُ من المتحالفين مع إيران إخوانهم العرب السنة فقط لأنهم يختليفون معهم في القناعة وفي التصور وفي الفكرة. يقاتلونهم ويقتلونهم فقط لأنهم يختليفون معهم في ممارسة شعائرهم أو في تأويل التاريخ أو في قناعاتهم وفي عقيدتهم.
لكن في الطرف المقابل لا يُظهر المشهد من يحرّك خيوط اللعبة ومن يموّل هذا التقسيم وهذا التشرذم الذي يذهب بالأمة نحو الانفجار. ليس هذا الإقرار تنشيطا لنظرية المؤامرة بقدر ما هو محاولة لكشف الدور الخطير الذي تلعبه الأفكار المستوردة التي لم تنبت داخل التربة العربية في تهديد السلم الاجتماعي وفي تمزيق النسيج الحضاري. من ينتصر في العراق وفي سوريا وفي لبنان وفي اليمن غير إيران وروسيا وأميركا وإسرائيل ومن تحالف معها من النخب العربية ومن الأحزاب السياسية؟
يَطرح الواقع العربي علينا اليوم وأكثر من أي وقت مضى تجديد النسيج الفكري وتنقية القناعات والتصورات والرؤى بشكل يمنعها من أن تتحول هادمة لِما من أجل بنائه خُلقت. كما يفرض علينا نفس هذا المشهد تحييد الأفكار والرؤى والقناعات بالشكل الذي يحدّ من خطرها على الوعي الجمعي والفردي وأن تكون سلامة المجتمع وسلامة بنائه الهدف الأسمى والوحيد لكل فكرة.

بقلم : محمد هنيد

محمد هنيد