كتاب وأراء

المشهد السوري:
فاصل قصير ونعود


كما كان متوقعا منذ البداية؛اتفاق الهدنة لن يصمد في سورية.الأسابيع الطويلة من المفاوضات والاجتماعات وما أفضت إليه من تفاهمات،لم تعمر أسبوعا واحدا.
جيش النظام السوري قرر من طرف واحد إنهاء الهدنة،بعد سلسلة من الخروقات المتبادلة،وصعد من قصفه الجوي لأحياء حلب المحاصرة،ولمجاميع المعارضة حولها.وقبل ذلك تم عن عمد منع دخول المساعدات الطبية والغذائية للمناطق المحاصرة،رغم أن الاتفاق نص على منح العمليات الإنسانية الأولوية فور سريان الهدنة.

الاتفاق من الأساس كان رماديا وغامضا في نصوصه،وترك العديد من القضايا الأساسية للتأويل والتفسيرات المتعددة،مثلما انطوى على تساهل عجيب من طرف الإدارة الأميركية للجانب الروسي.وقد وصل الأمر بموسكو إلى حد التهديد بكشف تفاصيله،لما تمثل من إحراج لواشنطن أمام حلفائها.
وقد عمد النظام السوري ومعه موسكو إلى توظيف القصف الأميركي لمواقع تابعة للجيش السوري بالخطأ،وتصويرها على أنها عمل مقصود لخدمة تنظيم «داعش» الإرهابي،ودليل على خداع أميركي وعدم صدقية مواقفها الداعمة للهدنة والحل السياسي في سوريا.
لم تقدم واشنطن بعد تفسيرا كاملا وتفصيليا لما حدث في ريف دير الزور،لكن من العبث تصديق رواية النظام السوري،لأن واشنطن إن أرادت تمكين المعارضة في سورية وتحطيم قدرات الجيش النظامي لفعلت ذلك من قبل،وبفعالية أكبر،يصعب بعدها للنظام أن يصمد طويلا.
الحاصل في حقيقة الأمر،هو أن النظام يعلم بأن صمود الهدنة،يعني الانتقال إلى المرحلة الثانية،وهى استئناف مباحثات جنيف،ومن ثم الشروع في تطبيق خطوات الحل السياسي،في وقت كان هدف موسكو ودمشق من الاتفاق،شراء الوقت،لحين دخول موسم الانتخابات الأميركية،وبالتالي شلل الإدارة التام،وترحيل الملف السوري برمته للإدارة الجديدة في العام المقبل.
في الاثناء يتمكن جيش النظام،وبدعم روسي إيراني من حسم معركة حلب،بوصفها المرحلة الفاصلة في الصراع،والإجهاز على قوات المعارضة نهائيا،بما يجعل البحث في الحل السياسي لاحقا، أمرا غير مطروح.
والمسألة الثانية التي اصابت الاتفاق في الصميم،قبل أن يختبر بشكل حقيقي في الميدان،هى انعدام الثقة بين الجانبين الأميركي والروسي. ومن تابع الاجتماعات الماراثونية بين وزير الخارجية كيري ولافروف،لاحظ دون عناء بأن الطرفين يعملان وسط أجواء متخمة بالشكوك وانعدام الثقة.وقد ألقت هذه الحالة بظلالها على نصوص الاتفاق، والاجتماعات التنسيقية المشتركة،خاصة على المستوى العسكري،حيث تبدى الشعور بنقص الثقة في أبهى صوره.
سيحاول الجانبان إنقاذ مايمكن إنقاذه في الأيام المقبلة،وستعود ماكينة الدبلوماسية للدوران من جديد،لكن في ظل ظروف أسوأ مما كانت عليه قبل الاتفاق.
النظام سيحاول التملص لشراء المزيد من الوقت،لحسم المعركة في حلب. روسيا لن تمانع،وستدعم دمشق بحملة دبلوماسية لإغراق واشنطن بالضغوط والتساؤلات عما جرى في دير الزور،وإعادة فتح الاتفاق لنقاشات إضافية لاتنتهي حول تصنيف الفصائل السورية.
واشنطن بلا استراتيجية واضحة،وتعمل بالقطعة مع موسكو،والأخيرة عادة ماتنجح في جرها لمفاوضات عقيمة،ومناورات دبلوماسية،تضعها في موقف غير مبادر.
التصعيد سيتواصل على كل الجبهات في سورية،وستعود المواجهات العسكرية لسابق عهدها. حلب ستتصدر الأخبار من جديد باعتبارها نقطة الحسم في الحرب السورية. عمليا تعود الأوضاع لسابق عهدها؛عهد لم نغادره إلا لأيام معدودات،فما شهدناه في الأيام القليلة الماضية لم يكن سوى فاصل قصير، نعود بعده لمشاهد القتل والتهجير.

بقلم : فهد الخيطان

فهد الخيطان