كتاب وأراء

كلمة بليغة .. ورؤية عميقة

بعض الخطابات تستدعيها المناسبات، وبعضها لتسجيل موقف ما، والبعض الآخر من باب المشاركة في حدث معين، وهذه جميعها تنتهي بانتهاء المناسبة، وكأن شيئا لم يكن.
خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أميرنا وقائد مسيرتنا، كان مختلفا، فهو رسم معالم واضحة للطريق الذي يتعين أن يسلكه العالم من أجل حلحلة الأمور التي تشغل بال الإنسانية جمعاء، وما أكثرها، وما أخطرها.
اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة ليست مجرد مناسبة عابرة، ولا هي من نوع التجمعات الدولية الاحتفالية، إنها أكثر وأبعد تأثيرا، لذلك لابد من رؤية واضحة، ترسم المعالم، وتضع الخطط، وتشحذ الهمم، وخطاب أميرنا المفدى جاء في هذا الإطار، عبر تناول ما يشغل العالم بأسره وليس منطقة بعينها، وإن كانت منطقتنا العربية حظيت بالكثير، بسبب تأثيراتها على العالم بأسره.
«6» ملفات هامة تناولها صاحب السمو في خطاب رصين وبليغ، تناول فيه بالموضوعية والشفافية، القضايا العالمية الساخنة، تحديدا في هذه المنطقة المهمة من العالم.
صاحب السمو الأمير المفدى، في خطابه الشامل، قدم أفكارا، ورسم خريطة طريق، لاخراج العالم مما هو فيه من حروب وأزمات وكوارث وإرهاب، وأكد في ختام خطابه أن قطر ستبقى فضاء للحوار وحل النزاعات بالطرق السلمية، وسوف تظل ملتزمة بالعمل الدولي المتعدد الأطراف، والتعاون والشراكة في إطار المجتمع الدولي لمواجهة التحديات المشتركة للإنسانية.
خطاب عبّر عن آمالنا وأحلامنا وتطلعاتنا، أشار فيه إلى أن المجتمع الدولي في مواجهة تحديات جسيمة، وربط بين هذه التحديات وبين إعاقتها للتنمية المستدامة والاستقرار الإقليمي والدولي، وأرجع ما يعاني منه العالم إلى انتهاج بعض الدول العمل خارج نطاق الشرعية الأممية، وإلى ضعف مؤسسة الأمم وقوانينها، وعجزها في تطبيق معايير العدالة والإنصاف، إلى جانب انتقائية مجلس الأمن في معالجة القضايا، خاصة حين يتعلق الأمر باستخدام القوة.
في العام «2013» ألقى صاحب السمو خطابه الأول أمام الدورة الثامنة والستين للجمعية العامة للأمم المتحدة، أكد فيه أن قطر تسعى لتكون طرفا إيجابيا فاعلا ذا دور بناء على المستوى الدولي عبر علاقاتها السياسية والاقتصادية المتوازنة والمتميزة على المستويين الثنائي والمتعدد الأطراف، مشددا سموه على أن دولة قطر تسعى لأن تكون ساحة للحوار والنقاش بين الأطراف المختلفة في النزاعات، لا أن تكون طرفا في هذه النزاعات، ومرت الأيام لتؤكد أن الأقوال رافقتها الأفعال، حيث مارست قطر بالفعل هذا الدور وتحركت بمسؤولية أينما احتاج الأمر أن تتحرك، فنزعت فتيل أزمات بدا في وقت من الأوقات أنها عصية على أي حل، وجاءت مشاركة سموه باحتفالات الفاشر في السودان الشقيق لتتوج جهودا دؤوبة أثمرت عن اتفاق كبير حول قضية دارفور، دون الحاجة لسرد القضايا التي توسطت فيها لوقف تداعياتها ومخاطرها فهي ماثلة للعيان.
القضية الفلسطينية كانت الحاضر الأكبر في كل خطابات وتحركات صاحب السمو، وفي كلمة سموه تلك حذر إسرائيل من أن سياسة القهر وسياسة الأمر الواقع لا تصنع أمناً، ومن الخطأ أن تُقيم دولةٌ مفهومَها للأمن على أساس إخضاع الشعوب الأخرى ومصادرة حقوقها، وأن تمنحه أولوية على السلام.
في العام التالي، أعاد سموه التحذير من أن غطرسة القوة لن تقهر مقاومة الشعب الفلسطيني، مذكرا العالم بما شاهده من صور مأساوية ووقائع غير مسبوقة أثناء العدوان على غزة واستهدافه للمدنيين.
وفي العام الماضي أعاد تذكير المجتمع الدولي بواجبه الذي لا يمكن التهرب منه تجاه آخر مسألة استعمارية مفتوحة في التاريخ الحديث.
وبالأمس وضع المجتمع الدولي مرة أخرى أمام مسؤولياته، ولو أن هذا المجتمع استمع وأحسن الإصغاء، ولو أن إسرائيل تمعنت في هذه الكلمات، ربما ما رأينا الأمور تصل إلى هذا الحد، وربما باتت المنطقة تنعم بسلام حقيقي يحمل الرخاء والأمن والاستقرار لشعوبها.
المسألة السورية كانت على الدوام حاضرة بقوة أيضا، وفي العام «2013» حذر من استمرار أعمال التدمير والمجازر المروعة وسياسة الأرض المحروقة والمدن المدمرة التي يمارسها النظام السوري بحق الشعب السوري الشقيق، والتي تجاوزت جميع الخطوط الحمراء التي تفرضها الأخلاق، ويوجبها القانون، ولا سيما بعد استخدام النظام السلاح الكيماوي ضد شعبه. وأعرب سموه عن الأسف أن يظل مرتكبو هذه الجرائم والمجازر الوحشية التي اهتز لها الضمير الإنساني دون ردع أو مساءلة، مما يفقد آليات حقوق الإنسان والعدالة الدولية مصداقيتها أمام المجتمع الدولي، وفي العام «2014» أعاد تذكير العالم بمسؤولياته، حيث أخذت أعمال القتل والدمار وانتهاكات الحقوق أبعادا أخطر وأكثر دموية عبر عملية تدمير سورية بشكل منهجي من نظامٍ خيّر شعبه بين قبوله أو حرق بلده.
أما في العام «2015» فقد نبه سموه إلى أن تداعيات الحرب السورية تهدد كيان الدولة وشعبها، وتخلق بيئة خصبة لتفاقم ظاهرة التطرف والإرهاب تحت رايات دينية ومذهبية وعرقية زائفة تهدد الإنسان والمجتمع والإرث الحضاري في سوريا والمنطقة، كما حذر من أن الحرب تحولت إلى حرب إبادة وتهجير، وكان أسوأ قرار هو عدم اتخاذ قرار، والخطر الأدهى هو تجاهل الخطر. إن تقاعس المجتمع الدولي عن اتخاذ القرارات والتدابير اللازمة لإنهاء هذه الكارثة يُعَدُّ جريمة كبرى ويكشف عن فشل وعجز المنظومة الدولية، ويؤدي إلى فقدان الثقة بالقانون والمجتمع الدوليين. وهو ما تناوله صاحب السمو بالأمس أيضا، حيث طرأ عامل جديد أكثر خطورة يتمثل في سياسة التهجير القسري، وكانت بلدة «داريا» حاضرة باعتبارها مثالا لحجم الجرائم التي يرتكبها نظام دمشق، ولو أن العالم أصغى وتحرك ما كنا وصلنا إلى ما نراه.
المتمعن في كلمات صاحب السمو الأربع أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة سوف يدرك أن ما جاء فيها لم يكن من باب تسجيل المواقف، فما يكابده الشعبان الفلسطيني والسوري، وكل الشعوب الأخرى، كان هما وطنيا، وليس قوميا فقط، كان شغل صاحب السمو الشاغل، فتحركت السياسة القطرية على كل المستويات، وطرقت كل باب، وهي مازالت مستمرة من أجل إخماد هذه الحرائق وإعادة الأمن والاستقرار.
موضوع الإرهاب كان حاضرا أيضا، ليس على صعيد إدانة هذه الظاهرة والتنديد بها فحسب، لكن أيضا على صعيد تقديم العلاج الناجع لها، إذ نبه صاحب السمو في كلمته أمام الجمعية العامة عام «2014» إلى ما تعانيه العديد من مناطق العالم من ظاهرة الإرهاب تحت ذرائع وشعارات مختلفة تهدد أمن العالم واستقراره وتعرقل تحقيق التنمية المنشودة.
وحذر سموه من أن «المجتمعات الأكثر تضررا هي المجتمعات التي نبتت فيها هذه النبتة الضارة التي تعادي التنوع والتعددية التي تغني المجتمعات. وفي حالة المجتمعات العربية والإسلامية المتضررة منه، يمس الإرهاب بالأبرياء، ويفقر مجتمعاتنا، إذ يحاول أن يحرمها من التنوع الديني والإنساني، ويطمس المطالب الحقيقية العادلة للشعوب، كما أنه يسيء للدين بتفسيرات تكفيرية سطحية له، لذا علينا جميعا مضاعفة الجهود لمحاربة هذه الظاهرة أياً كان شكلها أو هدفها أو مصدرها، وقد ثبت بالدليل القاطع، أنه لا يمكن مكافحة الإرهاب إلا من خلال بيئته الاجتماعية، وأنه لكي تقف المجتمعات معنا في مكافحة الإرهاب يجب أن ننصفها، وأن لا نخيرها بين الإرهاب والاستبداد، أو بين الإرهاب والتمييز الطائفي».
وفي عام «2015» أشار سموه إلى أن الإرهاب لم ينشأ في منطقتنا في ظل سياسات تضمن للمواطنين العيش بكرامة وحرية، بل نشأ في ظل الاستبداد، وتغذّى على القمع والإذلال، وراكمَ الحقدَ والكراهية من التعذيب في السجون، واستفاد من فقدان الأمل من العمل السياسي السلمي، وهو ما تحدث عنه سمو الأمير بالأمس، حيث بات الإرهاب مصدر تهديد لشعوبنا وأوطاننا، مذكرا المجتمع الدولي بأن القضاء على هذه الظاهرة ليس مستحيلا، إذا ما توافرت الإرادة الحقيقية من خلال معالجة جذور هذه الآفة.
هكذا بشفافية منقطعة النظير، قدم صاحب السمو رؤية عميقة للأسباب التي أدت إلى نشوء الإرهاب، في وقت مبكر، لكن المجتمع الدولي تقاعس عن رؤية الحقائق، وآثر تجاهل المسببات، فكان أن تفاقمت هذه الظاهرة بصورة لم يسبق لها مثيل، ولو أن المجتمع الدولي تدخل مبكرا للقضاء على الأسباب، وإعادة الأمل للمواطنين الذين عانوا القهر والاستبداد والتعذيب والتنكيل ربما ما وصلنا إلى ما نراه اليوم.
لم ينشغل صاحب السمو بهموم المنطقة وحدها، بل كان هما إنسانيا بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، ففي كلمة سموه عام «2013» ذكر العالم بمساهمة دولة قطر كشريك فاعل في الجهود المبذولة لتحقيق التنمية المستدامة على المستوى الدولي، حيث التزمت بتخصيص النسبة المقررة من إجمالي دخلها القومي كمساعدات للدول الأقل نمواً، فضلاً عن المساعدات الغوثية والإنسانية التي تقدمها الدولة في حالات الكوارث والطوارئ. وفي هذا السياق حققت دولة قطر الغالبية العظمى من الأهداف الانمائية للألفية، وهي تسير نحو تحقيق كافة تلك الأهداف قبل حلول عام 2015، وهذا ما تؤكده تقارير الأمم المتحدة والتقارير الإقليمية في هذا الشأن.
في العام «2014» نبه سموه إلى أن دولا عديدة في العالم تعاني من الفقر وتواجه صعوبات خطيرة في النهوض بمعدلات التنمية المنشودة.
وأكد سموه أن دولة قطر سوف تواصل جهودها لبناء شراكة مع الأمم المتحدة، لاعتماد خطة التنمية لما بعد 2015 لتلبية طموحات شعوب كافة الدول والتكتلات الإقليمية.
وفي العام «2015» دعا صاحب السمو إلى العمل المشترك على تعزيز قدرة نظام الأمن الجماعي من أجل التعامل الفعال مع المشكلات الدولية والإقليمية حفاظاً على حقوق الشعوب، وأن نواجه بإصرار أية محاولات لفرض حلول وقتية تعالج ظاهر المشكلات دون أن تلمس جذورَها.
لقد تناول سموه، حفظه الله، كل ما يشغلنا ويؤرقنا، من فلسطين قضيتنا المركزية، التي مازالت دون حل بعد عقود من المعاناة، إلى سوريا الغارقة في الدماء والدمار بسبب نظام أرعن، ارتكب من الفظائع ما لا يتخيله عقل، وأثبت همجيته بالأمس مرة أخرى، عبر قصف وتدمير قافلة معونات إنسانية لأهالي حلب، فالعراق الذي مازال يعاني من غياب التوافق الوطني، واليمن حيث الميليشيات تعبث بأمن هذا الشعب التواق إلى الأمن والاستقرار، إلى قضايا الإرهاب، وتداعياتها المدمرة، والتي نشأت أساسا عن مناطق التوتر والصراع التي بقيت قضاياه دون حل، ومازالت.
ومن داخل قبة الأمم المتحدة، لم يجامل صاحب السمو المؤسسة الدولية، وبمنتهى الشفافية والصراحة، انتقد ضعفها الذي يعانيه نظامها القانوني والمؤسسي، وكذلك عجزها عن تطبيق معايير العدالة والانصاف في آليات عملها. وبنفس الطريقة وجه انتقادا، لانتقائية مجلس الأمن، في معالجة القضايا، خاصة عندما يتعلق الأمر باستخدام الدول للقوة في العلاقات الدولية.
خطاب صاحب السمو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، أعاد التذكير بكل الثوابت والقيم الإنسانية، ليس ثوابتنا فحسب، ولكن المجتمع الإنساني بأسره، فجاءت الكلمة باسم البشرية المثقلة بالهموم والمشكلات والمصاعب، بسبب الحروب والإرهاب والجوع والبطالة والبيئة.

بقلم : محمد حمد المري
رئيس التحرير المسؤول

محمد المري