كتاب وأراء

التعليم والأمنيات المستحيلة

مازلت اذكر أول يوم لي في المدرسة حين وقفت على باب المدرسة بمريولي الأزرق أبكي رافضة الدخول اليها تصحبني اختي التي كانت تكبرني بعام واحد.. لم ادخل حتى سمحوا لي بالبقاء معها في نفس الفصل.
كنت أشعر بالخوف، والغربة كل من حولي لا أعرفهم، الوجوه المتجهمة لبعض المدرسات،و حدة أصواتهم زادتني خوفاً. ومع نهاية الحصة الأولى استسلمت لفكرة الذهاب إلى صفي حتى لا يفوتني نصيبي من الكتب،والدفاتر،و الأدوات المدرسية.
كانت رحلة طويلة في حياتي مع المدرسة، وحياتنا جميعاً لم نعرف كم كانت رائعة إلا حين مضى بنا العمر، والتفتنا خلفنا لنراها. كثيرٌ منا يتمنى لو يستعيد يوماً واحد من ايامها... هكذا نقول دائماً لأبنائنا اليوم،و نحن نسمع تذمرهم وضيقهم من انتهاء الإجازة الدراسية، والعودة إلى المدارس لكنهم حتماً لن يشعروا بمعناها إلا حين يمضي بهم العمر كما مضى بنا، وحين تكبر ذواتهم، وتستقر. وعندما يرون الحياة، والعالم بعيداً عن والديهم، ونظرتهم الضيقة.
لا تكون الاجازة طويلة بطول العام الدراسي، وبطول اعتياد الطلاب عليه إلا ان الانقطاع عن المدرسة لشهور قليلة والعودة اليها بعد ذلك يثير في دواخلهم الكثير من المشاعر الإنسانية التي لا نحبها كالخوف، والقلق، وفقدان الأمان بعيداً عن الأسرة، وفقدان الحرية من خلال قوانين المدرسة، والمعلمين، والمسؤوليات المترتبة على الدراسة من واجبات، وامتحانات.
لا نشك أن هذا الجيل (دلوع بزياده) خاصة أنه يعيش رفاهية غير مسبوقة،و عالم افتراضي أصبح محور حياته بأكملها متمثلاً في أجهزة التكنولوجيا الحديثة، بالإضافة إلى الحماية الزائدة من قبل بعض الأهل لدرجة نزع المسؤوليات، أو اثارة المخاوف المبالغ فيها لدى الطالب.
أكثر ما يحتاجه الطالب اليوم مع بداية العام الدراسي هو التفهم من قبل الأهل.. تفهم مشاعره، ومخاوفه والتعامل معها دون تضخيم أو تجاهل. والوجوه السمحة، والقلوب المعطاءة مع الحزم الرئيف في المدرسة حيث ان المعلم هو من يشكل الانطباع الأول لدى الطالب، ومشاعره نحو المدرسة وعملية التعلم لاحقاً. ثم يأتي دور الإدارة وكل من يشكل بيئة المدرسة.
وبما أن المعادلة في التعليم لدينا، وربما في أغلب دول العالم مازالت معقدة متداخلة،لا تخلو من صراع بين جيلين مختلفين، صراع يطغى على نزاهة، وقداسة العملية التعليمية أحياناً بين جيلٍ بات يجد نفسه خارج جدران المؤسسات الأسرية، والتعليمية، وجيل يعتقد نفسه موظفاً فيها فقط،مثقلٌ بأنواع المسؤوليات المعقدة التي تستنزف طاقته دون روح.لا زلنا لا نستطيع أن نحلم بواقع آخر، واقع نجد فيه أبناءنا سعداء بمدارسهم منذ أول يوم، مدركين لماذا يذهبون إليها، فخورين بدورهم في الحياة، يتشاركون هذا الدور مع قلوب معطاءة خالية من كل شيء إلا الولاء للواجب نحو هذه الأجيال، والولاء للعلم الذي قدسه ربنا.

بقلم : مها محمد

مها محمد