كتاب وأراء

بين مقاومة للتحرير.. ومقاومة لخدمة الخارج !



قبل أربعة وثلاثين عاما دعا بيان شديد الاقتضاب والوضوح إلى المقاومة ضد الجيش الاسرائيلي الذي اجتاج لبنان ووصل إلى بيروت في صيف 1982. اثنان شكلا عماد اليسار اللبناني، هما جورج حاوي ومحسن ابراهيم، سطرا ذلك البيان- النداء التاريخي وأعلناه من منزل مفعم بالرمزية لرجل استثنائي في تاريخ لبنان الحديث اسمه كمال جنبلاط، أول الشهداء على طريق الحرية ورفض الوصاية.
انطلقت عمليات «جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية» الواحدة تلو الأخرى، وخلال أقل من أسبوعين كان الجيش الاسرائيلي الغازي يجرجر أذياله من بيروت باتجاه الطريق الساحلي نحو جنوب لبنان.
بعد مضي ثلاثة وعشرين سنة على ذلك التاريخ زلزال كبير هز لبنان باغتيال رفيق الحريري (14 فبراير 2005) تبعه بأشهر قليلة اغتيال الصحفي والكاتب اليساري المميز والجريء سمير قصير (2 يونيو 2005)، ثم بعد ثلاثة أسابيع فقط اغتيل جورج حاوي المقاوم أمين عام الحزب الشيوعي اللبناني. أما محسن ابراهيم فانكفأ مبتعدا عن العمل السياسي اليومي، في بداية التسعينيات، بعد أن أحكمت القوات السورية وصايتها على الحياة السياسية اللبنانية وشددت قبضتها الأمنية عبر الحاكم العسكري السوري من عنجر. وقبل هذه وتلك كان جنبلاط أول من يدفع حياته (17 مارس 1977) ثمنا للنهج الاستقلالي التحرري الرافض لكل أشكال التبعية والوصاية والالحاق.
شكل قرار اطلاق المقاومة خطوة وطنية بامتياز، جريئة وشجاعة، اتخذت بقرار ذاتي وفي لحظة مسؤولية تحت وطأة الاجتياح بهدف طرد الغازي وتحرير الأرض، وفقط تحريرها. وكان الشيوعيون قد بدأوا بممارسة العمل المقاوم عندما شكل الحزب مجموعات «الأنصار» عام 1968 للتصدي للاعتداءات الاسرائيلية على القرى اللبنانية الحدودية، وخاض مواجهات مع الاسرائيليين كانت أولاها عام 1972 وسقط له أول شهيد، قبل ان ينتقل العمل الفلسطيني المسلح إلى لبنان ويتمركز في جنوبه.
انطلقت العمليات ضد الجيش الاسرائيلي في أحياء بيروت رغم هول الخراب والدمار والكلفة البشرية العالية التي أصابت العاصمة جراء الحصار والقصف الاسرائيلي البري والبحري والجوي الذي دام ثلاثة أشهر، والذي أدى إلى خروج مقاتلي منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان في صيف تلك السنة، ورغم الفوضى والضياع والانهاك الذي سيطر يومها على الدولة ومؤسساتها المقسمة والمشلولة، ورغم استمرار جبهات الاقتتال الداخلي مفتوحة بين بيروت «الشرقية» وبيروت «الغربية» وفي مناطق أخرى من لبنان...
تصاعدت عمليات المقاومة وتوسعت وامتدت من ضاحية بيروت إلى الجبل والجنوب لتجبر الاسرائيلي على الانسحاب بعد ثلاث سنوات (1985) من صيدا باتجاه الشريط الحدودي، قبل ان ينسحب نهائيا عام 2000. تحت شعار «الوطن باق والاحتلال إلى زوال» قاتلت تلك المقاومة لتحرير الأرض وزرع الأمل في اعادة توحيد لبنان وبناء الدولة وتطوير النظام وتحقيق الديمقراطية، عبر بوابة القضية الوطنية، وليس من أجل فرض وصاية عليه أو استتباعه لارادات دول خارجية كما يعلن أمين عام «حزب الله» حسن نصرالله باستمرار: «أفتخر ان أكون جندياً في ولاية الفقيه»!
وهنا يكمن بيت القصيد، أي عندما تم تحويل المقاومة من مقاومة وطنية لبنانية صرفة لتحرير الأرض إلى «مقاومة لصاحبها بشار الأسد وعلي خامنئي». ففي عام 1989 قضى «اتفاق الطائف» بتسليم سلاح جميع الميليشيات إلى الدولة اللبنانية وسلطاتها الشرعية وأقر بحق المقاومة ضد الاحتلال، بالتوازي مع ضرورة انسحاب جيش حافظ الأسد بعد سنتين من بدء تطبيق «الطائف». إلا ان النظام السوري عمل على تأجيل انسحابه لا بل الغائه عمليا، وفي الوقت عينه على حصر المقاومة بطرف واحد قادر على التحكم بحركته وفرض موافقته المسبقة. وهذا الطرف لن يكون الحزب الشيوعي الذي سبق ورفض محاولة النظام السوري وضع شروط على عمله المقاوم من أجل توظيف هذه المقاومة متى أراد وكيفما أراد. وها هو «حزب الله» المقاوم يقاتل إلى جانب بشار الأسد لحساب «الولي الفقيه»!
بقلم : سعد كيوان

سعد كيوان