كتاب وأراء

لماذا تسعى إيران لفرض الحج السياسي؟

يقول المولى تعالى: «الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج»، لكن دولة ولي الفقيه ومن يشايعها، مصممة على تحويل فريضة الحج إلى مظاهرات صاخبة ترفع فيها صور، تهتف بشعارات معادية تفرق المسلمين، يريد الولي الفقيه فرض رؤيته السياسية للحج على العالم الإسلامي، وحينما تصدت المملكة، بحكم تشرفها بمسؤولية الحرمين الشريفين والإشراف على تنظيم الشعيرة العظيمة وتأمين الحجاج، ورفضت الرؤية الفوضوية لإيران، منعت دولة الولي الفقيه حجاجها، وحرمتهم من الفريضة، وشنت حملة واسعة على المملكة.
لماذا تريد إيران تسييس فريضة الحج؟
إيران في حكم الولي الفقيه، تحولت إلى دولة دينية مذهبية أيديولوجية ومن طبيعة الدولة الأيديولوجية أن تسيس كل شيء، التسييس طال كل شأن في إيران، لم يبق شيء في إيران إلا وقد وظف لخدمة أهداف الثورة الإيرانية ومشروعها التوسعي في المنطقة العربية والعالم، لم يسلم شيء في إيران من أوحال السياسة: المدارس، المعاهد، الجامعات، المراكز البحثية، المؤسسات الثقافية والإعلامية والدينية والأمنية والعسكرية، بل حتى المصانع والشركات التجارية والبنوك، المساجد والمزارات الدينية تحولت إلى منابر سياسية لمهاجمة الدول التي لا تدور في فلك السياسة الإيرانية، هذه طبيعة كل دولة أيديولوجية، ولذلك تسعى إيران ومنذ الثورة بكل جهد إلى تسييس فريضة الحج وفرض رؤيتها على المسلمين جميعاً، ونجحت في مرات سابقة في دفع حجاجها لاستغلال موسم الحج في تظاهرات سياسية أدت إلى حوادث أليمة راح ضحيتها المئات من الحجاج، وكانت المملكة في ذلك الوقت تراعي اعتبارات عديدة، وتتخذ الإجراءات التنظيمية للحد من أضرار هذه المظاهرات، لكن التجاوزات تسببت في حوادث أليمة، كما في الموسم الماضي، فكان لا بد للمملكة أن تتخذ قراراً حازماً وحاسماً ونهائياً بوضع حد لهذه التصرفات العبثية الفوضوية ومنعها، وقد أحسنت بذلك، لأن الإجراء التنظيمي لا يجدي مع من قدم حاملاً توجيهات الولي الفقيه بضرورة توظيف الحج لترويج مفاهيم الثورة الإيرانية، وإيصال رسالة الجمهورية الإسلامية إلى كافة الحجاج في مكة، هذا المعتقد الديني السياسي، راسخ لدى قادة إيران من الخوميني إلى خامنئي، الحجاج الإيرانيون مكلفون بنشر مبادئ الثورة خلال الحج، يدربون عليه باعتباره أفضل موسم لتصدير الثورة وأدبياتها، ترسل إيران المئات من المترجمين من عناصر الحرس الثوري ممن يجيدون اللغات، لعمل حملة دعائية لصالح النظام الإيراني ونشر فكر ولاية الفقيه وتوزيع المنشورات السياسية بين الحجاج.
ختاماً: التسييس الديني، الآفة الكبرى في حياتنا، أفسد الدين وأفشل السياسة، وعوق النهضة والتقدم والتنمية، وما نراه اليوم على امتداد الساحة العربية من مشاهد العنف والإرهاب والمجازر والدماء وتشريد وتهجير الملايين من البشر، ما هو إلا تجليات هذا التوظيف السياسي للدين، وإحدى ثماره المرة، لقد طال التسييس المساجد، وأصبحت منابر بيوت الله تعالى، منابر حزبية متناحرة في دول ومجتمعات عربية، تحول كل ما هو نفيس وغال في نفوس المسلمين إلى ميدان للصراعات والمصالح الضيقة، وتلوث بأوحال السياسة، شيء واحد استعصى على محاولات التسييس، الحج، بقي استثناء إلهياً معجزاً في حياة المسلمين، بعيداً عن الصراعات السياسية، بقي الحج المكان الآمن، يلجأ إليه المسلم ليخلو إلى نفسه ويناجي ربه ويطهر نفسه ويقوي إيمانه، بقي الحج أملاً وإلهاماً، ولأن المولى تعالى أعلم حيث يضع بيته الحرام، فقد فضل مكة المكرمة في جزيرة العرب مكاناً، وسخر لخدمته والقيام على شؤونه، دولة محصنة من التسييس الديني، لا تفرق بين ضيوف الرحمن بحسب معتقداتهم، تقدم لهم أرقى الخدمات التي يمكن أن تقدمها دولة لضيوفها، تخيلوا، مجرد تخيل، لو كان الحج في رعاية دولة الولي الفقيه أو الجماعات التي تدور في فلكها أو حكومة أيديولوجية مسيسة، ماذا كان وضع الحج؟ وماذا كانت حال الحجاج؟! هل كان الحج باقياً على صفائه الروحي؟ كان الحج قد انقلب إلى موسم للمزايدات الحزبية وتحولت المشاعر المقدسة إلى مسرح للشعارات الطائفية وتصفية الحسابات السياسية.

بقلم : د.عبدالحميد الأنصاري

د.عبدالحميد الأنصاري