كتاب وأراء

المجتمع الميت.. والحراك المجتمعي

المجتمع الميت هو المجتمع غير القادر على صياغة خياراته وتطلعاته.. وليس الموت قدراً هنا ولكنه حالة من الفقد والضلال أفقدت المجتمع القدرة على إدراك ذاته وإمكانياته بالشكل الذي يجعل منه حركة إلى الأمام حيث التطلعات والخيارات.. والحراك المجتمعي حالة من تركز الوعي لدى فئات المجتمع تكون من القوة بحيث تمتلك زمام المبادرة أو على الأقل يصبح من المستحيل تجاهلها أو إغفالها.. فالموت بالنسبة للمجتمعات موت معنوي وهو حالة من الضلال أو تشتت الوعي وتتساوى هذه الحالة والموت المادي كونها تضعه خارج حسابات الربح والخسارة.. والحراك المجتمعي ليس حالة خاصة بالمجتمعات الميتة بالمعنى الذي أشرت إليه ولكنها أيضا مهمة وضرورية بل ومتكررة بشكل دائم لدى المجتمعات المتقدمة كحركة الشباب الفرنسي التي أسقطت ديغول عام 68، بل إن الحكومات المتعاقبة للأحزاب الحاكمة هناك من أسبابها الرئيسية الحراك المجتمعي لتلك الشعوب.. لذلك وضعته في مقابل مع الموت هي حية لأنها في حراك اجتماعي مستمر.. ومجتمعاتنا ميتة لافتقادها للحراك الاجتماعي أو لفقدها لبوصلته واتجاهه.
ولكن ما هي أسس الحراك الاجتماعي القادر على إحياء المجتمع وانتزاعه من قبره وإدراكه من ضلاله وإرشاده إلى ذاته ووجوده؟
أولاً: الوعى والإدراك التام بسوء الأوضاع وما آلت إليه الأمور وعدم الركون كثيرا للتصورات التقليدية الشائعة بأن المستقبل لابد أن يكون خيرا من الحاضر دون تدخل إنساني معتبر يساهم في تحقيق ذلك سواء كانت هذا التصورات دينية أو تراثية.
ثانياً: تحديد الأولويات بالنسبة للحاضر وللمستقبل ماذا يريد المجتمع اليوم وماذا يريد لأبنائه مستقبلا؟
ثالثاً: تكوين آلية أو تصور لإيجاد الطلب الفعال بالتنازل عن خصوصيات أيديولوجية ضيقة بالنسبة للمجتمعات الحزبية أو بالتنازل عن مميزات أو تفضيلات خاصة في المجتمعات القبلية من أجل المستقبل ومتطلباته.
رابعاً: عدم السماح لجزء دون غيره أو لحزب دون آخر أو لطائفة دون غيرها بالاستئثار بالحراك المجتمعي ولكنه بالضرورة حركة الأطياف جميعها كانتفاضة تونس.
خامساً: كلما غلب الطابع الوطني على الحراك المجتمعي كان أكثر فاعلية وأكثر أملاً لمستقبل أفضل بمعنى أن تكون صبغته وطنية ومطالبه وطنية بالدرجة الأولى.
سادساً: ألا يتحول إلى تناحر بين أطرافه لا قبل ولا بعد إنجاز الهدف منه بمعنى أن ينتقل سريعا بعد إنجازاته الأولى إلى حركه مدنية منظمة للمجتمع من خلال إيجاد مؤسسات المجتمع المدني السياسية والاجتماعية وفى مقدمتها دستور متفق عليه يحترمه الجميع وانتخابات حرة لتشكيل إرادة المجتمع.
سابعاً: أن تكون هناك أهداف واضحة ومحددة للحراك المجتمعي، تحققها، يجعل من إعادة صياغته أمرا محتملا، بمعنى أنه ليس بالضرورة أن يتحول إلى ثورة أو اضطرابات مدمرة أو فوضى عارمة.
ثامناً: قد يفرز الحراك الاجتماعي قيادات مجتمعية خاصة في المجتمعات ما قبل المدنية أو قد يكون نتيجة لوجودها إذا وجد المجتمع المدني وهو أمر يسهل إمكانية التفاوض ويساعد على صياغة الخيارات والشروط.
تاسعاً: يجب ألا ينفصل الحراك عن المجتمع أو ممثليه عن قاعدته إذا ما استمر الوضع طويلا أو يجرى استقطابه واحتضانه بأي شكل من الأشكال.
عاشراً: قد يكون الحراك المجتمعي شاملا أو قد يكون محدودا كتلبية الحاجات الضرورية المعيشية سواء اقتصادية أو اجتماعية وفى كلتا الحالتين هو حالة من الفاعلية المجتمعية إذا أدرك المجتمع بعضا منها قد يدركها كلها لأن شروط الحالتين واحدة وتتمثل في الإرادة والوعي وقبول التضحية أو حتى طلبها.
هذا ما أمكن إيجازه مع أن العصر اليوم والتقدم الكبير في وسائل الاتصال فتح المجتمعات أمام أقدارها ومصائرها وجعل من موتها أمرا استثنائيا أو قصيرا مقارنة بالماضي الذي كان يتطلب عقودا من الزمن لأن يدرك شمال الكرة الأرضية ما يحدث في جنوبها.

بقلم : عبدالعزيز الخاطر

عبدالعزيز محمد الخاطر