كتاب وأراء

«كرسي الشرف»



تغدو الكتابة عنكم اليوم طازجة برائحة خبز الفجر
حين تشبون، ستبعدون عن الرحم وسأجد متسعاً للكتابة نهاراً لا ليلاً كمن يسترق وقت للعمل، لكن صدقاً ستُسرق مني فرحة وجودكم.
سأفتقد شجاركم العلني اليومي حول من سيجلس بجانبي على مائدة الطعام؟ وسأحرم من رؤية الفرحة على وجه من اخترته ليجاورني على ما تسمونه «كرسي الشرف» وملاحظة طأطأة رأس من تقرر إعفاؤه من هذا التمييز لإشعار آخر.
سأفتقد نظرة زوجي المكتومة أن أحداً لا يتنافس على قربه.
سيغدو هذا المشهد الليلي ذكرى وأنتم واقفون بباب غرفتي بعيون يكتحلها رجاء أن أصحبكم لغرفتكم، ثم تعودون لمثواكم مشياً للخلف كي لا تفتقدون رؤيتي قبل النوم.
سأفتقد انهياركم حينما يسعى زوجي للوقيعة بيننا، فيعاجل بإخباركم بتحديد موعد سفري، فيحدث انهيار تام ولكن شيئا ما في صدري يطمئن لهكذا انهيار على فراقي، بل أخالني استأت يوم لاحظت خفوتا طفيفا في الانهيار.
ربما سأرتاح حين تكبرون من أعباء روتينية سيما فض المنازعات، لكني لست مؤهلة لضياعكم أنتم من جدول يومي.
لكم استعذب قاموسكم الحافل بالمجاملات
: أنت أحلى ما خلق الرب
: نعشقك حد الجنون
وكيف أنسى يوم ضياع ريالاتي الخمس، فمكثت أبحث عن ضالتي الزهيدة.
فانهمكت ابنتي معي بحثاً ثم صرخت: وجدتها
فتهللت، ثم داهمني خاطر تأكدت منه لاحقاً، فقد فتحت حصالتها ووهبتني من مدخراتها القليلة لأغلق صفحة همي.
لم تشأ منحي المال عوضاً، ليقينها بعدم حزني على المال بقدر ضيقي من فكرة الضياع، فآثرت إدخال السرور بعودة المفقود لا بمنح الموجود.
نعم احرج حين تقللون طلباتكم واندهش لرؤيتكم تمعنون النظر في ورقة السعر لانتقاء الأرخص خشية إرهاقي مادياً.
واذكر يوم طلبت ابنتي من والدها حقيبة بعد تمزق حقيبتها القديمة، فوافق لكنه نسي.
فصاحبتها للمجمع ودعوتها لشراء ما تشاء.
فقالت: انتظري قليلاً، لقد وعد بشرائها ولديه مال أكثر منك، فلمَ أقلل قليلك؟
و أكدت أنها تفهم أني لست معدمة، لكنها تجد أن الأصوب أن تنتقص من كثيره، لا أن تزيد من نقصي.
لكم أود أن تزورونا حين تكبرون للاستمتاع، لا للانصياع لإملاءات الواجب.
لكم أطمح أن تكون جلستنا في الكبر بطعم الحلوى، لا بنكهة الهيل الذي نعتصره لاستغلال أطايب عصارته لتنكيه الطهو ثم ننتشله من القدور ملقين به في المهملات قبيل تقديمه للضيوف لعدم لياقته.
أرجو من الله أن تعودوني كحديقة تمرحون فيها،لا كسجل ضريبي تسددون فيه مديونيتكم.
لكم أود أن تستعذبوا حديثي، طربكم للموسيقى، لا كما تستمعون لواعظ رتيب.
ربما لا اختلي بنفسي دون سماع طرق على الباب: أين فرشاتي؟ أين ميرولي؟
فالأبناء يطوفون حول الأم طواف الحجيج حول الكعبة متعلقين بأستارها، وبقدر تذمري من هذا التعلق إلا أني أحتاجه.
أعلم أن أخطاءكم ستلد صوابات، لأن أفدح المكتسبات ثمناً هي التي تأتينا مجاناً، ولا أثمن من الخطأ.
لذا، يكفيني أن نتفق سوياً على وجه واحدة هي تقوى الله حتى لو اختلفت مساراتكم أو تشتتم قليلاً، فالمهم هو الوصول، ولن أفرض عليكم سكة حديد بذاتها.
سأتعلق بظرف الاستدراك وسأكف عن التذمر كلما حدتم عن السطر، فلا أريدكم آلة ميكانيكية تُفَعِّل المسار الذي اتسق على تسميته بالاستقامة، لكن عدوني أن تضيفوا نافعاً للكون وليتكم تعمقون وعيكم بذواتكم وتأكدوا أن الخطأ حق إنساني مهما تظاهرت قوى المجتمع لقمعكم.
لا شيء يضاهي شرف بنوتكم.
بقلم : داليا الحديدي

داليا الحديدي