كتاب وأراء

متطلبات الأمن القومي: إدارة دولية للأزمات

تتصدر قضية إدارة الأزمات، أولوية اهتمام كثير من الدول الآن، والتي بدأت تنظر إليها باعتبارها جزءاً أساسياً من سياسة الأمن القومي.
وبعد أن كان الإرهاب بنداً ضمن بنود أزمات تشمل الكوارث الطبيعية، والعنف، والأزمات المالية، وغيرها، فقد تصاعد الاهتمام بالإرهاب ضمن مسببات أزمة الأمن القومي، بعد أن تجاوز حدود القتل، وسفك الدماء، إلى استهداف الدول، والشعوب، بخلق كوارث داخلية، وإفساد علاقات الدول ببعضها، وهو ما تتعرض له الحكومات في جميع دول العالم، في ظروف تحولات عالمية سريعة ومتتالية.

لهذا بدأت دول متعددة تنظر إلى هذه المشكلة ليس باعتبارها قضية منعزلة تخص كل دولة على حدة، بل باعتبارها هماً جماعياً، يحتاج إلى نظام عالمي لإدارة الأزمات، يقوم على المشاركة في المعلومات، والتدريب وتحسين قدرات ومهارات العاملين في هذا المجال، وأن تبادر مثل هذه الإدارة إلى التعامل بشكل دولي جماعي، مع أي أزمة في دولة من الدول.
ورغم أن هذا التوجه لايزال في بداياته، فقد أخذت بعض الدول في تنظيم دورات ومؤتمرات في مؤسسات متعددة، منها على سبيل المثال «اللجنة الأوروبية للتعاون الدولي، ومنظمة المؤتمر الدولي للسياسات العامة». وكان عنوان إحداها «إدارة الأزمات والمخاطر.. قضية جديدة لصناع السياسة».
وكل هذه الدورات تعاملت مع إدارة الأزمات الدولية، كجزء من أعباء يتحملها المجتمع الدولي، بما يتطلب إيجاد فرق معلوماتية مخصصة لأجهزة إدارة الأزمات، ولا يقتصر دورها على التعامل مع الأزمة حال وقوعها، بل تستبقها، بالإجراءات المبكرة، التي تعمل على درء الأزمة، بالإضافة إلى ربط ذلك بدعم التنمية في مناطق قابلة للتعرض للأزمات، وتخفيف المعاناة الإنسانية فيها، ونشر التعليم، ومبادئ الأخلاق، والتسامح، والتعايش بين الشعوب.
واحتل تصاعد ظاهرة الإرهاب جانباً أساسياً من هذا الاهتمام، الذي عكسته دراسات عديدة، نشرت في كتب، وأذيعت في وسائل الإعلام، لتكون تحت نظر الدول والشعوب. من بينها على سبيل المثال، دراسة لجامعة ولاية نيويورك، أعدها البروفيسور ديفيد أندرسون، شرح فيها كيفية إدخال الأزمات التي تصنعها جماعات ليست دولاً، مثل المنظمات الإرهابية، وعصابات الجريمة المنظمة، في نطاق عمل السياسة الخارجية.
كما ظهرت دعوات لإنشاء جهاز عالمي لإدارة الأزمات التي يصنعها الإرهاب بشكل خاص، ما دام الإرهاب يهدد الجميع دون استثناء، وبحيث تتشارك الدول مع بعضها في تمكين أي دولة تتعرض لهذا التهديد، من الردع العسكري للإرهاب.
وقد عزز من هذا التوجه ما شعرت به دول عديدة، خاصة في الغرب، من أنها تتعرض لمشكلة أمن قومي غير مسبوقة، ولم تكن قد أعدت لها الوسائل المناسبة لصدها، مثل تمدد النشاط الإرهابي، من سوريا والعراق، إلى قلب هذه الدول، وما تبع ذلك من تيارات الهجرات الجماعية، للهاربين من مناطق يضربها الإرهاب، في الشرق الأوسط، ومن ثم أخذت تشعر بعدم توافر ضمانات أمنها وسلامتها، عن طريق التعامل المنفصل مع الأزمات، والذي لن يتحقق سوى بالتعاون الجماعي للمجتمع الدولي في مواجهة خطر يهدد الجميع دون استثناء.
لقد اعتادت الدول عموماً، على أن تكون لكل دولة مفاهيمها التي تخصها للأمن القومى، بناءً على ظروفها الذاتية، وطبيعة التحديات التي تواجهها كدولة، لكن الوضع اختلف الآن، بعد أن صارت التهديدات عابرة للحدود، والأزمات تصنع خارج حدودها ثم تتسرب إلى داخلها، وأن صانعي الأزمات، يشكلون خطراً مشتركاً وجماعياً للكل.

بقلم : عاطف الغمري

عاطف الغمري