كتاب وأراء

سلام دارفور .. إنجاز قطري تاريخي



-1-
أوَّل مرَّة زرتُ فيها مدينة الفاشر العاصمة التاريخيَّة لدارفور، كانت في مُهمَّة صحفيَّة، بعد (24) ساعة من هجوم الحركات المُسلَّحة، على مطار المدينة وحرق الطائرات في أبريل 2004م.

هذا الحدث، مثَّل نقطة التَّحوُّل المركزيَّة في حروب دارفور المأساوية. لولا حرق الطائرات، لما آلت الأوضاع في دارفور إلى ما آلت إليه من صراع مرير ودامٍ، ودمارٍ شبه شامل.
زرتُ الفاشر بعد تلك الزيارة عدَّة مرات، وتجوَّلتُ في معسكرات النازحين، كان فيها التوتُّر الأمني والاحتقان الاجتماعي والسياسي في ذروته.
قبل عام وأكثر، في آخر عهد الوالي عثمان كبر، كنتُ هناك.. لاحظت أن الأوضاع تغيَّرت إلى الأفضل كثيراً.
-2-
كانت زيارتي الأخيرة للفاشر في الأربعاء الماضي، في احتفال ختام أجل السُّلطة الإقليميَّة والذي شرَّفه بالحضور صاحب السُّمُوِّ تميم بن حمد آل ثاني، أمير دولة قطر، ورئيسا جمهوريتي تشاد وإفريقيا الوسطى، وكان في استقبالهم الرئيس عمر حسن البشير.
كانت اللافتات والهتافات من مطار الفاشر إلى ساحة الاحتفال الجماهيري تُحيِّي دولة قطر وأميرها المُفدَّى، لدورهما في تحقيق السلام في دارفور.
دارفور الآن ليست دارفور قبل وثيقة الدوحة؛ فلم تعد هنالك معارك عسكرية، ولا احتقان سياسي أو اجتماعي، مثل الذي كان قبل أن تضع الدوحة أهل المصلحة الحقيقية في مواجهة واجباتهم تجاه تحقيق السلم والاستقرار.
بدا واضحاً بجلاء أن دارفور الآن تعيش حالة استقرار أمنيٍّ وسياسيٍّ بلا قلق أو توتُّر.
-3-
سيكتب التاريخ، أنَّ اتِّفاق الدوحة أهم اتفاق تمَّ توقيعه لإنهاء دوامة الحرب في دارفور، برعاية دولة قطر الشَّقيقة.
(77) مبادرة لتحقيق السلام منذ اندلاع الحرب في دارفور، كلها باءت بالفشل.
منذ التوقيع على الوثيقة وبدايات التنفيذ اتجهت جهات عدَّة، لاغتيال اتفاق الدوحة في مهده، وتشييعه إلى المقابر الجماعيَّة للاتفاقيات:
أسلحة الحركات الرافضة لعملية السلام استهدفت مشاريع الإعمار والتنمية في دارفور وتعاملت معها كأهداف عسكرية.
جهات عدَّة ظلَّت تُحرِّض النازحين على عدم مغادرة المُعسكرات لتظلَّ مسرحاً لتجسيد الأزمة واستدامتها.
أثناء حضوري لفعاليات مؤتمر مانحي دارفور بالعاصمة القطرية، لفت نظري حضور ممثلي عددٍ كبيرٍ من الدول بصفتهم مانحين، أطلقوا وعوداً وقطعوا التزاماتٍ كانت في غالبها سراباً بقيعة!
وآخرون اكتفوا بحسن القول عن ناجز الفعل.
قطر وحدها كانت على الوعد والالتزام، أعطت بغير حدود وبلا مَنٍّ أو أذىً، أو أجندة خفية، ترتجي منها تحقيق مصالح في نهاية المسار.
ولولا حكمة الوسيط القطري أحمد بن عبدالله آل محمود وصبره؛ لما وصلت اتفاقية الدوحة إلى ما وصلت إليه من نجاح وإنجاز على أرض الواقع، لا تُخطئه عين، ولا يتجاوزه مُنصفٌ عدل، وللحقت الاتفاقية بسابقاتها من اتفاقيات.
-4-
الرئيس عمر البشير قدَّم كلمةً ضافيةً أمام الحشد الجماهيريِّ بمدينة الفاشر، وعد فيها بمواصلة مشاريع التَّنمية في دارفور، والاستمرار في طلب تحقيق السلام.
لم تكن كلمة الرئيس حديث بشريات وأمانٍ، ولكنها حملت مع ذلك رسائل صريحةً وواضحةً بلا مواربةٍ أو غموض.
السَّلام هو الخيار ولا بديل لوثيقة الدوحة.
والقتال لا يكون إلا بالاضطرار.
وجمع السِّلاح لن يستثنيَ جماعةً أو أفراداً.
-أخيراً-
إذا كانت مُهمَّة الحكومة السودانية سابقاً تحقيق السلام عبر التَّفاوض والحسم العسكريِّ، فهي الآن أمام مُهمَّة أكثر صعوبة، وهي الحفاظ على ما تحقَّق والإضافة إليه، بحيث يُصبح ما حدث تحوُّلاً شاملاً، وليس هدنةً مؤقتةً قابلةً للانتكاس.
الأمل والرجاء أن تظلَّ الدوحة راعيةً وداعمةً لمشروع السلام والتنمية بدارفور، في ظلِّ ما تحقَّق من أمن واستقرار بالإقليم، وأن لا يكون احتفال الفاشر بمثابة تحيَّة الوداع.
بقلم : ضياء الدين بلال

ضياء الدين بلال