كتاب وأراء

«الظرف.. وما بعد الطلاق»

بأبغض الحلال، انفصلت سيدتان من دائرة معارفي لأسباب كلاسيكية مكررة.. فارتفاع نسب الطلاق في مجتمعاتنا لم تعد تخفى على أحد، في ظل أوضاع عامة ترفع من قيم التمسك بمظاهر الأخلاق مع إهمال جوهر المعاملات، فثارت البيوت وصارت كطناجر «البرستو» فائقة الضغط، القابلة للانفجار بأي لحظة.

لكن اللافت كان التباين في التعاطي مع مرحلة ما بعد الطلاق للحالتين:

الأولى، كانت وبالاً على أمها وسائر محيطها، فقد فوجئوا بالتعامل مع حيوان كاسر أو قنفد شائك يؤذي من يقترب منه بأشواك عصبيته المفرطة وسلاطة لسانه ثم يمارس دور الضحية المكروبة، الجريحة بدمع سخي..سخي، سخين، حتى تيقن معظمهم أنهم أمام شخصية سيكوباتية تتمعيش بالتكسب من «الظرف» الذي تمر به، فكلما هاجت، صدّرت أمها لمطالبة الجميع بغض الطرف عن سوء خلقها بدعوى مراعاة «الظرف»!

أما الثانية، بدت كمن طوت صفحة كتاب وشرعت في ممارسة أنشطة أخرى وتعاملت مع الانفصال كمرحلة فشلت فيها ولكن أمامها دنيا واسعة تستطيع أن تنجح فيها، فاشتركت في دورات لليوجا والتأمل واهتمت بمزاولة الرياضة، كما أدرجت نفسها في قوائم دراسة الماجستير وبحثت عن عمل يضمن لها عدم التبعية المادية كي لا تكون عبئا ماديا أو معنويا على محيطها.. كما امتنعت عن الخروج مع صديقاتها المتزوجات رفعاً للحرج ودفعاً للالتباس لتنأى بنفسها عن الشبهات..مع تعمد عدم تناول سيرة طليقها بأي سوء وأوتيت مهارة في فن تغيير المواضيع والبعد عن الكائنات الحشرية.

بينما حرصت الأولى على تتبع خطى الطليق وتقصي أخباره مع الحرص على شعرة معاوية مع أصدقاء مشتركين لتشمشم عن جديده مع نشر تغريدات تأسفية من شاكلة «شكراً للظروف التي كشفت لنا معادن الرجال» مع اختلاق نهايات تعسة لطليقها على أساس أن من هجرها كان جزاؤه بئس المصير.

وقد أوقعتها حصافتها لوضع

الـPLAN B

أو الخطة البديلة.. فتعرفت سريعاً لزميل لها متزوج وأب لأبناء ويصغرها بعشر، فرحب الصغير على أن يكون زواجاً سرياً في شقة إيجار دون رضا أهله.. فرفضت عائلتها، فكانت حسرتها كبيرة كونها كانت تتوق لكيد الطليق، مع فبركة قصص تروي كيف استمات العريس في طلب ودها رغم رفضها المستمر.

وبرفض أهلها، ارتأت العودة لطليقها رغم أن عدد مرات الطلاق الشفوي التي ربت على الست، فتعاملت مع الأمر كتوافه يمكن التحايل عليها ببعض الخدع.. وأمام رفض الأهل، لعبت دور المريضة نفسياً مع تصنع نوبات هياج وتصريحات من نوعية «الدكتور محذر من عصبيتي» فبرجاء مراعاة الظرف!

على النقيض، لم يكن الارتباط هاجساً يؤرق الأخرى التي تعاملت مع وضعها كمن يحتاج لفترة نقاهة، فقررت ألا تتزوج ليكتمل وجودها بشخص آخر.. فالارتباط لا يجب أن يكون مادة تعويضية أو عضوا تكميليا لإغاظة أطراف معينة.

لا شك أن الطلاق إخفاق، لكن بمرور الوقت، ينكشف المخطط الإلاهي الذي سمح بوضعنا تحت نيران تجارب مريرة لنكتشف لاحقاً أنها محض إفادة كما يعرض الذهب ليفتن بالنار. فيظهر للجواهرجي معدن الذهب من الشوائب.

فمكاسب الإخفاقات أكبر بكثير من مثالبه ولصعوبات الحياة، إيجابيات تفوق سلبياتها. فالطلاق من أشد عوامل التحفيز ودوافع تحسين البشر والإخفاقات محرضات على التنقيب داخل النفس لاستكشاف سبل تحسين وتطوير الشخصية والكفاح من أجل تحقيق نجاح أو من أجل التحقق والبقاء.

فالملكة فريدة لم تكتشف موهبتها في الرسم إلا بعد شعورها بالحاجة، فوجود ملحة دفعها لاكتشاف قدراتها الفنية لتعيش.



بقلم : داليا الحديدي

داليا الحديدي