كتاب وأراء

الاتفاق الأميركي الروسي والخلاصات الثلاث

يأتي الإعلان عن اتفاق روسي أميركي حول الأزمة السورية والذي يبدأ بوقف الأعمال «العدائية» والمنتهي بحل سياسي للأزمة كأحد فصول هذه الأزمة التي بدأت بمطالب مشروعة للتغيير والإصلاح وتحولت بفعل عنف النظام السياسي وتجاهل المجتمع الدولي إلى أزمة ألقت بظلالها على انحاء متفرقة من العالم، والاشارة هنا إلى موضوعي اللاجئين والإرهاب.
الاتفاق الذي يجب أن يعني مرور أيام عيد الأضحى المبارك على من تبقى من أهل سوريا بلا قصف جوي وبلا براميل متفجرة، يشير إلى انه سيُبنى عليه وسيتم فتح الأبواب للمساعدات الإنسانية لتدخل إلى المدن التي تقع في قلب المواجهات. كما أنه سيصار إلى العمل على فتح الباب امام عملية سياسية تؤدي إلى حل دائم، لكن التحضير لهذه العملية السياسية يبدو انه في حاجة إلى تحضير تُرك الأمر فيه للطرف الاستخباراتي الروسي- الاميركي للعمل عليه. كل ما تم إعلانه يقود إلى بعض الخلاصات التي يجب التوقف عندها بتأمل:
الخلاصة الأولى: أن الاتفاق وطريقة التوصل اليه يشيران بما لا يدع مجال للشك إلى أن واشنطن وموسكو هما الفاعلان المؤثران، وأن روسيا تبدو في موقع الصدارة حتى اللحظة. في الإعلان عن الاتفاق تم الإعلان أن الحكومة السورية مضطلعة على الاتفاق، لكن لا حديث عن مدى التنسيق مع لاعبين آخرين. طهران مثلا تبدو غائبة عن عملية التحضير للاتفاق، وربما يعود هذا كجزء مما تريده واشنطن في ابقاء إيران بعيدة عما يتم التحضير له حول سوريا. روسيا من جهتها تبدو في لحظة من الغرور العسكري والسياسي لا ترغب فيها أن تعطي دوراً غير الذي ترغب وتسمح به روسيا. بالطبع لا يتوقع أن تنتقد إيران وقف اطلاق النار لأن هذا قد يشكل فرصة لتخفيف الضغط العسكري على القوات التابعة لها وكذلك على الميليشيات التي تديرها. كما أنها ستحاول ان تسجل موقف سياسي تؤكد من خلاله انها مع الحل السياسي في سوريا.
الخلاصة الثانية: الاتفاق يُذّكر بفصل مهم من تاريخ منطقة المشرق العربي وهو أوائل القرن العشرين حيث سعت كل من روسيا وفرنسا وبريطانيا لتقاسم أملاك الرجل المريض في إشارة للدولة العثمانية في المشرق العربي، وهو الفصل الذي يتحدث عن محورية كل من العراق وسوريا في تشكيل المشهد السياسي في المشرق ككل. واليوم يبدو أن الأمور تتكرر.
ثمة حالة من التشكيل لوضع سياسي جديد عبر توظيف التعثر الذي واجهه الربيع العربي في سوريا وكذلك في مصر واليمن وتونس وليبيا. الوضع السياسي الجديد سيتشكل وفق مبادرات من الخارج لكن ردود الأفعال الداخلية والإقليمية قد تُحدث بعض التعديلات الطفيفة وربما الأقل أهمية.
الخلاصة الثالثة: يبدو أن توقيت الاتفاق مرتبط بما لحق بجميع الأطراف المشتركة في المواجهة العسكرية من خسائر طوال الفترة الماضية، وهذا ينطبق على النظام السياسي في سوريا وما لحق بتنظيم الدولة وكذلك بعض اجنحة المعارضة المسلحة السورية. بالطبع لا يمكن تجاهل التدخل التركي في جرابلس وتأثيراته على مسار العمليات العسكرية في شمال سوريا وإضعاف التيار الكردي المسلح.
ان السكوت الأممي طوال الخمس سنوات الماضية على عمق النكبة التي لحقت بسوريا من تهجير وقتل وتدمير يظهر بوضوح أن الإرادة الدولية المخلصة كانت غائبة، وأن التعامل مع المسألة برمتها يأتي في سياق أمني بعيد عن مطالبات غالبية السوريين في التغيير. إن ما كان يجري هو مراقبة للصراع ومن ثم التحول إلى إدارة للأزمة ولا يبدو الاتفاق الجديد الا فصل من فصول إدارة الأزمة ليس إلا.

بقلم : محجوب الزويري

محجوب الزويري