كتاب وأراء

نحو إدارة ناجحة للاقتصاد: خصخصة السلع العامة والعكس «2»

خلصنا في مقالة الأسبوع الماضي أن مبادئ اقتصاد السوق تلزم الدولة بتوفير «السلع والخدمات العامة» والتي ينتج عنها منافع عامة يستفيد منها كل الشعب أو التي تنطوي على أعمال سيادية لا يجب أن يقوم بها غير الدولة (كالقضاء والدفاع والأمن...). أيضا اوضحنا ان هناك «سلعا وخدمات خاصة» وهي الكثرة الغالبة في السوق مثل «الغذاء والكساء والأجهزة الكهربائية والإلكترونية وأدوات البناء والأثاث والسيارات والألعاب..) والتي يجب ألا تتدخل الدولة في إنتاجها وأن تتركها للقطاع الخاص حيث أن تدخل الدولة في إنتاجها ينتج عنه عدم كفاءة وإهدار للموارد قد يؤدي في النهاية لتدمير الاقتصاد.
ولكم في دول الاتحاد السوفياتي السابقة وشرق أوروبا عظة وعبر. أما النوع الثالث فهو «السلع والخدمات المستحقة» والتي تتميز بانها خليط من السلع والخدمات العامة والخاصة ومن ثم تستحق أن تدعمها الدولة سواء في الإنتاج أو الاستهلاك مثل «التعليم والصحة والمرافق العامة والبنية التحتية». هذه السلع والخدمات يوفر القطاع الخاص جزءا منها فقط ومن ثم يجب ان تتدخل الدولة دائما لزيادة المعروض منها.
ولقد اتضح بان من عيوب ادارتنا للاقتصادات العربية أننا نقلد وتقليد دون وعي ودراسة. حينما كانت موجة الاشتراكية والنظم الاقتصادية الموجهة تعم بلاد الاتحاد السوفياتي وشرق أوروبا في أواخر الخمسينيات والستينيات انحازت معظم دول المنطقة (مصر وسوريا والعراق الجزائر واليمن والسودان وليبيا...) لتلك النظم ومن ثم قامت الدولة بإنتاج معظم السلع والخدمات (الخاصة منها مع العامة) حتى أفران الخبز ومحلات بيع الفلافل تم ضمها إلى القطاع العام!! وطبعا انتهى الأمر بفشل حاد. وفى السبعينيات والثمانينيات ومع سقوط الاتحاد السوفياتي وتحول كل اقتصادات المنطقة إلى السوق الحر لم يتم التحول بالطرق المدروسة أو المتأنية. وهرعت معظم الدول إلى بيع القطاع العام وخصخصة كل شركات القطاع العام سواء التي تنتج سلعا عامة أو خاصة! كما أنه لم يتم بناء الأطر المؤسسية اللازمة لقيام اقصاد السوق الحر كجمعيات حماية المستهلك أو قوانين حماية البيئة وقوانين الغش التجاري والقوانين التي تنظم العلاقة بين الحكومة والقطاع الخاص أو بين القطاع الخاص والقطاع العام. ومن ثم ظهرت المساحات والفجوات التي أطل منها الفساد وتغول وتزاوجت المصالح بين الحكومات ورجال الأعمال أو الاقتصاد والسياسة فرأينا عددا هائلا من الفاسدين يتقلدون مناصب القيادة وتلاشى الخط الفاصل بين العام والخاص سواء في الأسواق أو المصالح وتحول اقتصاد السوق الحر إلى «رأسمالية المحاسيب». مما كان له أثر غير خاف في قيام ثورات الربيع العربي.
وها نحن نكرر نفس الأخطاء الآن وبصورة أفدح فبدلا من أن تلتزم الدولة العربية بأدوارها المعروفة في أدبيات الاقتصاد وتحاول تصحيح ما قامت به من أخطاء في الماضي البعيد والقريب إذا بنا نواجه ظاهرة جديدة في أكبر الاقتصادات العربية سوقا وسكانا ألا وهي إحلال القطاع العسكري للقطاع المدني. هذه الظاهرة التي يمكن ان تؤدي وفي وقت غير طويل إلى حدوث تشوهات في هيكل الاقتصاد ومرة أخرى أعاقته عن النمو ان لم يكن تدميره.
مزاحمة القطاع العسكري للقطاع الخاص بما يملكه من مميزات غير تنافسية وعمالة ذات تكلفة لا تذكر وسطوة سيادية على أسواق عوامل الإنتاج وأسواق المنتج النهائي من شأنه أن يشل الأخير ويزيحه عن المنافسة. فاذا حدث وأردنا - بسبب طارئ مثل عدوان خارجي أو تهديد داخلي أو وإقليمي- توجيه القطاع العسكري لما هو خلق من أجله وهو الدفاع عن الوطن فقد نجد أن المهام الجديدة والدخيلة التي يقوم بها القطاع قد أثرت على جاهزيته واستعداداته. هذا بالإضافة إلى ان القطاع الخاص الذي خرج من الساحة قد يكون غير قادر على العودة بالسرعة والكفاءة المطلوبة.

بقلم : د. حسن يوسف علي

حسن يوسف علي