كتاب وأراء

بعيداً عن اللياقة

يقول أحد الأصدقاء: إنه ابتلي بجار تعود أن يخرج ليغسل سيارته وينظف عند باب بيته وهو لا يرتدي سوى سروال قصير (هاف أميركي) وفانيلة (بوحفرة) وإنه حاول مرات أن يخبره بطريقة غير مباشرة أن هذا أمر غير لائق وغير مقبول اجتماعيا إلا أنه لم يفهم فاضطر إلى مصارحته، لكن النتيجة كانت أن الجار غضب وزعل وصار حتى لا يرد على سلامه لو التقيا عند الباب أو في أي مكان.
يضيف الصديق: إنه فرح كثيرا عندما باع الرجل منزله وانتقل إلى منطقة أخرى، لكنه ابتلي بجار آخر أكثر بعدا عن الالتزام بالعادات والتقاليد، وإذا كان الأول يغسل سيارته وهو على تلك الهيئة فإن الثاني يغسل سيارته كل صباح وهو يرتدي سروالا فقط.. وبسبب ما جرى مع الأول يقول الصديق إنه آثر ألا ينبه جاره الجديد إلى الخطأ الذي يرتكبه كي لا يفتح بابا للعداوة بينهما، فاليوم لم يعد الكثيرون يحتملون أي ملاحظة تصلهم من الآخرين ويعتبرون ذلك تدخلا في شؤونهم الخاصة وأمرا بعيدا عن اللياقة!
المؤسف أن هذا الأمر صحيح، ولهذا صار جل الناس أو ربما كلهم يؤثرون الصمت على توجيه أي ملاحظة لأي شخص حتى وإن كان من الأقرباء أو المقربين.. طبعا هذا الأمر جديد على مجتمعاتنا الخليجية التي كان الناس فيها يتقبلون بعضهم بعضا ويعتبرون كل الملاحظات من هذا القبيل نوعا من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولم يكن بينهم من يزعل إن وصلته ملاحظة من أحد من أهله أو جيرانه أو حتى من الغرباء.
قبل ثلاثين سنة من الآن أو أكثر قليلا كان الأقرباء والجيران وحتى من يمر في الفرجان من غير أهلها يتعاملون مع الصغار والمراهقين إن رأوهم يرتكبون خطأ أو يمارسون سلوكا غير مقبول اجتماعيا أو مخالفا للشرع بطريقة تبدو لمن يراهم أنهم أولياء أمورهم، بل إنهم لا يترددون حتى عن ضربهم من باب التأديب، أما أولياء أمورهم الحقيقيون فيشكرون من فعل ذلك ويعتبرون أنه صار له فضل عليهم. طبعا اليوم الأحوال تغيرت وصار من يجرؤ على التحدث مع الأبناء أيا كان حجم الخطأ الذي رآهم يرتكبونه يعني أنه قرر الدخول في مشاكل مع أهله لا يستبعد أن تصل إلى مراكز الشرطة والنيابة العامة والمحاكم، فاليوم يعتقد أغلب أولياء الأمور أن حق تأديب الأبناء وإرشادهم وتنبيههم حكر عليهم فقط وأن من يفعل ذلك حتى وإن كان من باب النصيحة يعتبر معتديا ومتجاوزا لحدوده. بل إن الأمر وصل إلى حد أن اعتدى بعضهم على المعلمين في الفصول الدراسية وضربوهم أمام تلاميذهم فقط لأنهم اعتبروا أن أولئك المعلمين تجاوزوا حدودهم فأضافوا إلى التربية والتأديب إلى التعليم.
هذه ظاهرة مجتمعية تحتاج إلى من يدرسها ويمنع تفاقمها، فليس معقولا أن يعاقب المعلم على سعيه لتقويم وإصلاح تلاميذه، وليس معقولا أن يقف الجار أما باب بيته وهو على تلك الهيئة.
بقلم : فريد أحمد حسن

فريد أحمد حسن