كتاب وأراء

الفجوة بين السلطة السياسية والسلطة المجتمعية في المنطقة العربية

السياسة في كثير من الدول العربية في واد والمجتمع في واد آخر. الناس رسمياً رعايا للسلطة السياسية.
لكنهم راحوا فعلياً يبحثون لأنفسهم بسبب تقصيرها عن سلطة مجتمعية يتبعونها. السلطة الشكلية في حياتهم هي السلطة السياسية. أما السلطة الفعلية التي يتعلقون بها ويعتبرونها مرجعية لهم فتمثلها طرق صوفية أو فرق مذهبية أو جماعات إسلامية أو مجموعات كنسية أو عصبيات قروية أو قبلية أو حتى مجموعات إرهابية. ولم يكن بحث الناس عن سلطة بديلة إلا لأنهم وجدوا أن السلطة السياسية لا تقول الكلام الذي يعبر عنهم.
فبينما يمجد إعلام السلطة أعمال الحكومة، فإن الناس يحكمون عليها بما تؤديه لا بما تدعيه. وما تؤديه يدفع بكثيرين إلى الأنين من قمع الحريات وغلاء الأسعار وتفشي الفساد وسوء الخدمات وتراجع الأمن وتدهور التعليم وغيرها من أوجه التقصير. وأنين الجماهير يعني شيئين: أنهم أولاً غير راضين عن السلطة السياسية ولا يقبلون بها حتى لو نافقوها بالسكوت، وأنهم ثانياً يبحثون عن بديل لها يرشدهم ويهديهم.
وهذا ما جرى في أكثر من بلد عربي. فالسلطة السياسية تحكم الوطن لكنها لا تتحكم في قلوب المواطنين. أما السلطة المجتمعية فتتمتع بالتحكم والتأثير على الجماهير إما بالوعظ والتبشير أو بالوعد والوعيد. سبعون عاماً على الأقل مضت وأغلب العرب أمام بديلين: إما سلطة سياسية احتكرتها الجيوش ومؤسسات الأمن، أو سلطة مجتمعية استحوذت عليها بشكل خاص جماعات دينية اخترقت المجتمع لتغير لباسه وغناءه وفنونه وطرق تفكيره، ولا تنافسها ربما في ذلك إلا مشروعات طائفية بدأت تتطلع لكي تكون هي السلطة المجتمعية الجديدة.
وقد اعتادت السلطة السياسة الرسمية على اتهام السلطة المجتمعية الفعلية، وبالذات الجماعات الدينية، بأبشع الاتهامات وعلى رأسها الإرهاب.
وكثيراً ما خاطبت الناس ليكونوا سنداً لها في معركتها ضد تلك الجماعات. ومع أن ما تدعيه السلطة الرسمية فيه جزء من الحقيقة إلا أن تلك الجماعات والسلطة المجتمعية البديلة كلها ما كانت لتظهر لولا تقصير السلطة الرسمية في فهم رسالتها والوفاء بواجباتها نحو المجتمع.
أما ملاك السلطة المجتمعية من جماعات دينية ومذهبية وطائفية فيدعون أنهم لم يأخذوا فرصتهم وأنهم لو كانوا قد أخذوها لكانوا قدموا بديلاً ناجحاً لأنهم، كما يدعون، يتمتعون بأيد طاهرة وأفكار نقية. وبرغم العداء الشديد بين السلطتين السياسية والمجتمعية إلا أنهما يعززان بعضهما. ففشل السلطة السياسية هو الذي يوجد المبرر لظهور السلطة المجتمعية. والظهور اللافت للسلطة المجتمعية هو الذي يبرر للسلطة السياسية تشديد قبضتها على الحيز العام حتى لو تطلب ذلك خنق أحلام الجماهير.
وإذا كان اللوم يقع على السلطة السياسية لضعف أدائها فإنه يطال بالمثل السلطة المجتمعية لسخف ادعاءاتها. السلطة السياسية مارست الحكم لكنها عجزت عن التحكم، ولم تره إلا بالقهر والعنف وليس بالإقناع والاستمالة. أما السلطة المجتمعية فتدعي المظلومية وأنها لم تأخذ فرصتها لتبدل حياة الناس إلى نعيم، وكلامها زائف لأنها مثل السلطة السياسية أخذت فرصتها وجرت تجربتها. صحيح أنها لم تصل إلى الحكم لكنها تمتعت بالتحكم، والتحكم أهم من الحكم بل هو المعيار لتقييم أداء كل من يمارسه.
وما بين فشل السلطتين وصلت الأمور إلى حالة مزرية لا التقدم فيها ممكناً مع سلطة سياسية اعتادت تجاهل مطالب الناس، ولا النهوض فيها محتملاً على يد سلطة مجتمعية تتقن التلاعب بعقول الناس. والنتيجة أن نشأت في العالم العربي فجوة كبيرة بين السلطتين السياسية والمجتمعية مع أن صاحب الأولى أولى بأن يكون هو صاحب الثانية. السلطتان معاً أخفقتا وفقدتا شرعيتهما. الاثنان جُربا ومع هذا تطلب كل منهما فرصاً جديدة. وما بين الاثنين يقف الناس بدون بدائل حقيقية أمام ثنائية لا تريد أن تنتهي. إما دولة أمنية أو دولة دينية. إما الجيش أو الإخوان. جبهة التحرير أو جبهة الإنقاذ. إما الخوذة أو العمامة. ثنائية لن تزول إلا إذا تمتع من في يده الحكم بجدارة التحكم. وهو بدوره لن يحدث إلا عندما تُفتح الأبواب لتتنفس الأفكار المخنوقة وتتزين الرؤوس بالحكمة ويتقدم حب الحرية على كراهيتها. وهي شروط ستبقى لازمة حتى وإن لم تتوفر أدلة كافية تبشر باستحضارها في المدى المنظور.

بقلم : د. إبراهيم عرفات

د. إبراهيم عرفات