كتاب وأراء

الجريمة الكاملة





يشاع عن المرأة أنها ترى بأذنيها. وكم من وعاظ دعوا الأزواج للإكثار من حلو الحديث للزوجة وغمرها بسكاكر الكلم لما له من تأثير عليها.

والشاهد أن التعاطي مع النساء على أنهن ضعيفات مع سحر الكلم لهو تعاط غارق في السطحية.

بداية، لو كان الأمر على هذا المنحى، فهل الأبكم يعجز عن إيصال مشاعره لمحبوبته؟

وهل تتألم الزوجة لأنها تحرم من سماع قصائد الغرام من زوج غير مفوه لو حسنت عشرته؟

إنني لأتعجب حين أسمع من متفيقهين يوصون الأزواج بزيادة «دوز» الكلام الحلو كحل سحري لعلاج المشاكل الزوجية.

وماذا يفيد الكلم الطيب إذا ناقضه فعل سوء؟

بداية، لا ننكر أن طيب الكلم أفضل من قبيحه، لكننا نؤكد أن المعاملة الطيبة ولين الطبع والنظرة الحانية كلها تدخل في قائمة الأقوال الجميلة. بدليل أن أي أبكم بنظرة رقيقة وحسن خلق قادر على- لا أقول- جذب بل أسر قلب فتاة.

كما أن لمسة حانية مع حسن معشر من كفيف لهما التأثير ذاته.

إن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وهو الذي قال فيه رب العالمين في قرآن يتلى ليوم الدين: «إنك لعلى خلق عظيم» قد عوتب في سورة كاملة تحمل اسم «عبس».

والشاهد أن الله ولإنكاره فعل عبوس الرسول، لم يعّرِف سيد الخلق في هذه السورة، بل عرّف بالألف واللام الشخصية التي تأذت من العبوس وهي «الأعمى».

وبتأمل الموقف، نجد أن الأعمى ولأنه كفيف، فبالضرورة لم يلحظ عبوس المصطفى(صلى الله وعليه وسلم) في وجهه ولكنه حتماً شعر بتوليه عنه وعدم اهتمامه به ما جعله يشعر بالتهميش، فأنزل قرآن يتلى.. يعاتب فيه نبيه.

وهنا يأتي قصور فهمنا لمعنى «القول»، فنحن نقصره على ما نتلفظ به من حروف، رغم أنه مشتق من «الإقالة» أي التحريك، النقل أو الإبعاد من مكان لآخر فيقال تمت إقالة فلان، أي تم إبعاده من منصبه ومنها آية «ما ودعك ربك وما قلى» أي ما أبعدك.

وكذلك يقصد «بالقول» نقل المعنى من وجداني وكياني وعقلي لوجدان الآخر وكيانه سواء عبر حروف وألفاظ أو عبر نظرات، وإشارات أو إيماءات.

بقلم : داليا الحديدي

داليا الحديدي