كتاب وأراء

الـنـــاجـــــون

للنجاة أسباب، تتعدد بتعداد المخاطر..
وكل مخلوق مهما كانت قوته يحتاج إلى النجاة، حتى تلك المخلوقات التي نظن أنها بمأمن من الأخطار؛ لو تأملت جبلا، على سبيل المثال، ستظن أنه لا يحتاج إلى شيء وهو بهذه القوة والثبات، لكنه سنة وراء سنة، يحاول النجاة من الرياح والماء والحت المستمر، وقليل منها من تمكن، في نهاية الأمر من النجاة بكامل هيئته..
وأنا بالمناسبة سمعت حكاية نجاة غريبة، سمعت حكاية عن الطيور التي نجت:
الحكاية التي يحكيها الناجون منهم لأولئك الذين لم يتعرضوا للخطر بعد:
بوجه مخطوف، وكلمات يفيض منها الامتنان والحكمة، يقف كل مساء أحدهم تلو الآخر على غصن الحكي ليخبر عن تجربة نجاته من الموت التي مر بها هذا النهار..
وتحت منهم، تفيض الأغصان بنظرات الدهشة والانتباه من عيون بقية الطيور الذين لم يعرضهم الله للتجربة، إلى الآن على الأقل...
والآباء منهم يمعنون في الانتباه للتفاصيل أكثر من غيرهم للفت انتباه الصغار لكيفية الاستفادة منها في أول مرات تحليقهم..
في البداية يُعرب الناجون، كما تقتضي اللياقة، عن أساهم لفقد أولئك الذين لم يكتب لهم القدر، أو الحظ، أو استغلال اللحظة المناسبة، النجاة هذا اليوم، ويقرأون الفاتحة المخصصة للطيور على أرواحهم الطاهرة، ولأن الطيور لا تستطيع إظهار مدى إجلالها لمثل هذه اللحظة من خلال الوقوف... مثلما نعرف جميعا السبب.. اختاروا أن يحلقوا دقيقة صمتا على أرواحهم جميعا..
قصص النجاة تلك.. تتحصل على نفس القدر من التقييم.. إذ أن الرائع في أي قصة نجاة..هي النجاة نفسها، مهما كانت الطريقة..
على هذا الشكل من الاتفاق الضمني تتلقى الطيور القصص:
يتحدث أحدهم أن نجاته كانت بسبب الغفلة،
الغفلة الناجمة عن شعور الصياد الطاغي بالفخر..
وكيف أخذ يفكر بلذة التواضع التي سيشعر بها عند تلقي نظرات الإعجاب نتيجة لتمكنه من الإمساك بطائر دون قتله.. كيف أن التفكير الطويل بهذا الشكل أدى إلى ارتخاء قبضة الصياد للحظة كانت كافية ليفلت منها.. مخلفا وراءه الموت الوشيك، وأطنانا من حسرة الصياد..
آخر يتحدث عن نجاته بسبب طيبة قلب الصياد.. بعد أن تبادل معه نظرات عميقة وذات معنى..
لكنه قال لن أنسى أبدا عار الخوف... كنت أتمنى لو أطلقني ليس شعورا منه بالشفقة علي.. لكن لأنه لمح كبرياء نبيلا في عيني.... لكن كل ما كان هناك، وأطلقني من أجله، هو الخوف الذليل.. ذلك الخوف الذي لم يستطع حتى صياد مقاومته ولا التغلب عليه.
وبالتوالي، يتم سماع عشرات القصص.. بعضها لا يمتلك الكثير من التفاصيل.. قصص تتعلق بشرك غير محكم، أو فخ غير متقن، أو طلقات غير محكمة.
لكن، وفي اليوم التالي.. وعندما تحلق الطيور كالمعتاد، يختار الناجون التحليق في نهاية السرب.. على سبيل الحيطة.

بقلم : ضيف فهد

ضيف فهد