كتاب وأراء

نعيماً لصائمي يوم عرفة

قبل عشرين عاماً كم كان عدد الذين يصومون يوم عرفة؟ بالتأكيد الملايين من المسلمين لا يفوتون مثل هذه الفرص التي تمنح إليهم ويحاولون استغلالها بشكل جيد جداً، ولكن الحقيقة التي يجب علينا أن لا نغفل عنها، أنه الآن وبسبب وجود هذا الكم الكبير من تعدد قنوات التواصل الاجتماعي، والقفزة الهائلة للتقنية الحديثة، حيث أثبتت بجدارة أن هذا العالم الواسع والفضفاض ما هو إلا قرية صغيرة تتقاطع من خلالها مختلف الطرق، كل ذلك يعود بسبب أن مثل هذه القنوات سهلت عملية التواصل الإنساني، واستطاعت أن تربط قارات العالم بعضها ببعض خلال ثوان معدودة.
بالنسبة لي أعتقد أن المسلمين استفادوا دون قصد من ثورة التقنية، حيث الإسلام ليس محصوراً بين جدران المتحدثين باللغة العربية فقط، وهي اللغة التي شرفها الله عز وجل وجعلها لغة القرآن الكريم، بل بات الإسلام يجوب العالم كله، ليتدافع الملايين عبر سنوات محدودة بالدخول فيه، والتقيد بجميع معتقداته، وللأسف، لم تلعب المرأة، أو الرجل المسلم، الدور الأول والأهم في نشر سمات وصفات هذا الدين العظيم، إنما وحده الإسلام بتفاصيله الدقيقة وعبر تسامحه وإجلاله للإنسان أي كان لونه أو عرقه وفصله ونسبه، متجاهلاً كل ذلك مؤكداً أن التفاضل الوحيد بينه وبين غيره هي التقوى فقط لا غير.
الآن حجاج بيت الله الحرام من مختلف بقاع العالم، يؤدون مناسك الحج وندعو الله أن ييسر لهم ويمدهم بالقوة على إتمام أركان حجتهم بسهولة ويسر، لكن ما أود أن أشير إليه، وهي حقيقة لا يمكن لأي منا غض البصر عنها، أنه وبسبب الأقمار الصناعية التي تنقل مثل هذا الحدث الديني الأهم والأكبر من نوعه وعلى مستوى ومختلف ديانات العالم، فقد بات معظم المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، يشتاقون لأي فعل يدعم دينهم، ويشعرون بأن عليهم أن يكونوا متواصلين وداعمين بأي طريقة مع من يشاركهم الديانة الإسلامية ذاتها، والآن وبفعل سرعة وسهولة تناقل الأحداث بالصوت والصورة، أكاد أن أجزم بالأعداد المتصاعدة التي ستصوم هذا اليوم ألا وهو يوم عرفة، وهو اليوم التاسع من شهر ذي الحجة، والذي تستجاب فيه الدعوات، وتقال فيه العثرات، ويباهي الله فيه الملائكة بأهل عرفات، وهو يوم عظَّم الله أمره، ورفع على الأيام قدره، إذ إنه يوم إكمال الدين وإتمام النعمة، ويوم مغفرة الذنوب والعتق من النيران.
الكثير من أبناء الجالية المسلمة، الذين لم يولدوا في بلادهم التي تركها آباؤهم من أجل حياة أفضل، وولدوا في بلاد أخرى، ولا يمكنهم الوقت من معرفة قيمة الدين الإسلامي العظيم، وكيف يسعى الملايين في كل عام دون كلل أو ملل من أداء مناسك الحج، ما بين طواف وسعي ومبيت ورمي الحجارة، هذه المشاهد التي تنقل اليوم عبر مختلف الفضائيات التليفزيونية، تعيد تشكيل الإسلام بصورة مختلفة، مدعمة بالمشاعر والتفاعل اللامحدود تجاه هذا الدين، الذي لايزال يحارب ويحاصر ورغماً عن أنف الجميع، بقي شامخاً ومستقبلاً أفواجاً هائلة من الداخلين الجدد في دينه، والإسلام رغم أن الكثيرين الذين حاربوه وقتلوا وفخخوا أجسادهم وأسالوا دماء غيرهم من الأبرياء مستغلين اسمه، إلا أنه وبفضل الله لايزال يحتل الديانة الأكثر شهرة واتساعاً، والأكثر تسامحاً أيضاً.
في هذا اليوم العظيم، أشعر بالفخر الكبير لأنني ولدت مسلمة، وسعيدة بكل الذين دخلوا فيه محبة لأهدافه وقوانينه ورؤيته التقدمية والنهضوية للإنسان.

بقلم : سارة مطر

سارة مطر