كتاب وأراء

لحية

يُحكي أن رجلاً وامرأةً أجنبيين تاجرين من أهل الكتاب، قصدا إحدى دول الخليج الآمنة؛ لإنشاء تجارة نظيفة، فأخذا يبحثان عن شريكٍ لهما، فإذا بأحدهم ينصحهما بأن يتعاملا مع ذوي اللحى الطويلة؛ مُعتقدًا أنهم أكثر التزامًا بالدين الإسلامي، وأكثرهم صدقة وخوفًا من الله؛ وبهذا تكون نسبة تعرضهما للغش والخديعة والسرقة قليلةً جدًّا، وربما لن يحدث. وبالفعل صادفا كهلاً خليجيًّا تبدو عليه سمات الالتزام والوقار، تم التعاقد في ما بينهم، وهما آمنان مطمئنان أنه سيحافظ على مشروعهما الذي يتطلب منهما السفر لبلدهما من حين لآخر.
وبعد مدة من الزمن وبجهود حثيثة استطاعا أن يؤصلا عملهما. استمر العمل بالنهوض والازدهار، مرت بضع سنوات والشركة تكبر شيئًا فشيئًا. وفي إحدى المرات وبينما هما في بلدهما يتابعان نشاطات حياتهما اليومية، فوجئا برسالة نصيحة تُخبرهما أنه تم سحب مبالغ من الحسابات المصرفية للشركة، حتى صفّرت.
وبعد مباحثات واستفسارات وشد وجذب، تأكدا أن الطرف الثالث، صاحب اللحية الطويلة، هو من قام بتلك الفعلة الشنيعة والخديعة الفظيعة، بعد أن غشّهما وأخذهما على حين غرة بخبثه القانوني ومعرفته بأصول السرقة. إذ خرج مثل الشعرة من العجينة، بعد أن قام برشوة القاضي الذي كان هو أيضًا ملتحيًا.
المؤسف له، أن هذه المرأة وزوجها، أصبحا متعقدين من كل ذي لحية، كما أن ثقتهما في التعامل مع المسلمين انكمشت بشكل كبير. وأصبحت نظرتهما للملتزمين من ذوي اللحى أنهم خبيثو الباطن، يستخدمون لحاهم لاستدراج الذين يستأمنونهم.
هذه القصة حدثت بالفعل، ورغم أن ما جاء فيها عام جداً، وسيناريو ممكن الحدوث مع غير الملتحين أيضًا، فإن تصرفات كثيرٍ من الرجال الملتحين تكون ردة الفعل فيها أكبر؛ لأن المجتمع رسخ فكرة أن الملتحي نموذجٌ للملتزم صاحب أعلى علامات الرقي الأخلاقي والالتزام الديني، أكثر من غيره، وهذا ليس بالضرورة صحيحًا، بل فكرةً يجب أن تُعالج وتصحح، كأن يُجبر الملتحي أن يكون قادرًا على أن يمثل الدين تمثيلاً صحيحًا، أو يجزّها، حتى لا يُمنح ثقةً ليست من مستواه. أو يُنادى في الملأ أن اللحية ما هي إلا ثقافة مجتمعية، يجب ألّا تعكس مدى الالتزام الديني.
وهنا جاء المقال، ليُذكر المتأسلمين بآية بالغة الأهمية، قال فيها الله تعالى: ?لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ? (الممتحنة: 8)، فالإنصاف صفة يحبها الله في عباده، والعدل رأس الفضيلة، بين المسلمين في تعاملاتهم أو حتى غير المسلمين، فالعدل في المعاملات لم يخصه الله للمسلمين دون غيرهم، وعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: اتَّقُوا دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ وَإِنْ كَانَ كَافِرًا فَإِنَّهُ لَيْسَ دُونَهَا حِجَابٌ...، وفي هذا الحديث تحذير صريح للظالم، ونصرة للمظلوم، مهما اختلف دينه، والله متكفل بحقوق خلقه حتى لو كفروا به، فكفر الإنسان بالله شأنه وربه، لكن حقه عند العباد يحاسبون عليه، وهناك العشرات من الأحاديث الصحيحة التي تؤكد حقوق العباد من مختلف الأديان والملل.
فهل سأل المسلم نفسه، ملتحيًا كان أم لا، مسلمة محجبة أم كاشفة، حين التعامل مع غير المسلمين: ماذا بعد هذا التصرف أو القول أو الفعل؟ ما جزاء من يعكس صورة سلبية عن الإسلام الذي يدّعي الانتماء إليه؟ وما مصير من تم غشّه وخداعه والكذب عليه وسرقته؟ وما مصير تلك البرامج التي تحاول تصحيح صورة الإسلام للغرب إذا كان المسلم نفسه نموذجًا لا يُحتذى به في الشرق نفسه؟!
بقلم : زهرة بنت سعيد القايدي

زهرة بنت سعيد القايدي