كتاب وأراء

لبيك اللهم لبيك...

عيد الأضحى من أجلّ أعياد المسلمين وأبلغها في حياتهم أثراً وأبلجها في نفوسهم دلالة، فقد تجمعت فيه مبادئ الإسلام وغاياته كما تتجمع صور الوجود في العين فهو موجة من النور الهادئ في خضم الزمان المضطرب وفترة من السلام الإلهي ونفحة من النعيم السماوي تندى لها القلوب اليابسة بالوداد، وسبب من الروح المؤاخي يصل بين الغني والفقير بالاحسان، وبين القوي والضعيف بالرحمة، وبين القريب والبعيد بالمودة، وبين الله والإنسان بالصلاة، وبين المسلم والمسلم بالحج، عيد الأضحى هو عيد الأسرة والأمة والملة يفيض المسرة والبهجة على البيت ويجدد المودة والألفة في الوطن ويسفر بالتعاون بين وجوه الإخوة في عرفات، ليست الاعياد الدينية لبس الجديد انما هي الخوف من يوم الوعيد فهي واحات في صحراء الحياة يستريح إلى نبعها الحرّان ويطمئن إلى ظلها الشارد واللهفان، وأن نعيش معاني العيد، أن ننفتح على كلّ المفاهيم والتّعاليم الّتي أوصى بها الرّسول صلوات الله عليه، ففي ذلك انفتاح على الإسلام ككلّ، عندها تشعر بحقيقة العيد تتخطّى كلّ الفوارق والحواجز، أن ينعكس العيد إحياءً لكلّ المشاعر الطيّبة والخيّرة الّتي تعمل وتبني بهدى الإسلام ورسالته على كلّ الصّعد عندها تتحقّق أهداف العيد بهجةً عمليّة في أرجاء الواقع وفي كلّ مساحات الحياة فالعيد مناسبة ليحيا المجتمع كلّ معاني الشّكر لله والتقرّب منه، ومن تجلّيات ذلك أن يتواصل الإنسان مع أرحامه والنّاس من حوله ليكون المجتمع مجتمعاً متراحماً متشاركاً في الهموم والآمال، مجتمع الإيمان العامر بالنّفوس والعقول لا مجتمع الأحقاد والتّباعد، فالعيد محطّة روحيّة وتربويّة وأخلاقيّة هامّة تعمل على جعل المجتمع كياناً وعائلة واحدة يحارب كلّ مشاعر البغضاء والأحقاد ويزرع مكانها مشاعر الألفة والمحبّة والعطاء، وبهذه المناسبه يحتفل العالم الإسلامي في مشارق الأرض ومغاربها بعيد الأضحى المبارك، هذا العيد الذي يفرح فيه الصغير والكبير على حد سواء وعيد الأضحى المبارك أسوة بعيد الفطر السعيد لا يخلو من المظاهر الاحتفالية كالتزاور بين الأهل والأقارب والأصدقاء لتبادل التهاني والتبريكات في هذه المناسبة السعيدة التي تمر كل عام على المسلمين.
والأعياد جمع عيد، وهو يوم الفرح والسرور والتواصل، يحتفل فيه الناس بذكرى كريمة أو مناسبة عظيمة، وسمى عيداً لأنه يعاود الناس ويرجع إليهم من حين لآخر والإنسان مدنى بطبعه واجتماعى بفطرته ولذلك فالحاجة إلى الاتصال والتواصل مع الآخرين حاجة أساسية فطرية كالحاجة للطعام والشراب وكما يؤكد علماء النفس والاجتماع فإن إغلاق منافذ الاتصال مع الآخرين يؤدى بالفرد إلى معاناة نفسية بل وبدنية قاسية يفقد معها غالباً مناعته النفسية والعقلية مما يقوده إلى الانهيار التام، فالفرد مهما كانت درجة انطوائيته وعزوفه عن مخالطة البشر لابد وأن يضيق بوحدته بعد فترة تطول أو تقصر ويبحث لنفسه عن «آخر» يأتنس به ويتفاعل معه، والمتأمل لتطور العلاقات الإنسانية في المجتمعات الحديثة قد يلحظ أنها بحكم تعقد الحياة وزيادة التخصصات وتعمقها، فضلاً عن تطور التكنولوجيا الحديثة، سواء في المباني أو التنظيمات أو وسائل الاتصال، كل ذلك يدفع إلى مزيد من العزلة والتقوقع، حتى ارتفعت جدران نفسية سميكة حتى بين أفراد الأسرة الواحدة فكل مشغول بنفسه يلهث وراء مصالحه وأهدافه لدرجة أصبح معها الحديث الشخصي الحميم في العديد من الأسر المعاصرة ترفاً لا يستطيعونه!
من هنا، تبدو الأهمية القصوى للأعياد كمناسبات اجتماعية تعمل على لم شمل وتجميع ما فرقته الأيام، وشغلته الدنيا ومتاعبها مما يعيد للنفوس توازنها ويحقق للمجتمع استقراره وتماسكه، ولا توجد أمة من الأمم تخلو من أعياد تحتفل بها تعلن فيها فرحتها وتحفزها إلى تنشيط ذاكرتها وترسيخ الثقة والاعتزاز بأمجادها وتقوى بها عزيمتها لمواصلة السير نحو خير الأمة وازدهارها، وهذه كلها أمور ايجابية تعبر عن حاجة الإنسان الفطرية إلى مثل هذه الأعياد لتحقيق التواصل بينه وبين غيره من أفراد المجتمع لتكون عوناً له على التزود بطاقة جديدة لاستئناف السير ومواصلة الكفاح، فكيف ان كان العيد عيداً دينيا له مكانته ودلالاته، فمن هنا وجدنا الإسلام يلبي هذه الرغبة الطبيعية لدى الإنسان في التواصل مع الآخرين ويتجاوب مع هذه الفطرة الإنسانية، فالإسلام دين الفطرة وهو يعلي من شأن اجتماع المسلمين وتواصلهم في الصلاة والحج ويعمل على توطيد العلاقات الاجتماعية وزيادة التقارب والتعارف فيما بينهم، يقول عز وجل: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (الحجرات: 13) كذلك حث الإسلام على الاحتفاء بأيام الأعياد ومشاركة الناس في أفراحهم وبهجتهم حتى تبدو للأعياد مكانتها المميزة عن سائر الأيام كما أن الإسلام يرغب ويرحب بكل مظهر يشيع السعادة والبهجة بين الناس ويقوي معاني الألفة والمودة فيما بينهم مثل تبادل الزيارات والتهاني والدعوات وبذل الهدايا والأعطيات للصغار والضعفاء والمحرومين ليشاركوا الناس فرحتهم بالعيد وتنعمهم بالطيب من الطعام والشراب واللباس، وكل ذلك مما يقوي أواصر المحبة والترابط بين أفراد المجتمع، ومن الأهمية بمكان أن يقوم الآباء والأمهات باصطحاب أبنائهم في زيارة الأقرباء والجيران والأصدقاء للتعرف عليهم عن قرب، وتبادل الأحاديث وتقوية الروابط الرحمية والاجتماعية، وتعويد الأطفال على أصول مخالطة الناس، وآداب المجالس والحديث والزيارة، وإتاحة الفرصة لهم لاكتساب المزيد من المهارات المعرفية والسلوكية والاجتماعية.
وهكذا، فالأعياد مناسبة جليلة تقف عندها الكثير من المشاعر والاحتياجات، والأعياد ذات وظيفة هامة وضرورية إذ تمثل فرصاً عظيمة لتوديع الهموم والأحزان والترويح عن النفس المجهدة من مكابدة مشاق الحياة وفرصة لتقوية التراحم والتواصل الاجتماعي المادي والمعنوي، مما يزيد من تماسك المجتمع ويقوي بنيانه بقوة تماسك أفراده، وكل عيد وأنتم من الله بخير وأعاده الله عليكم باليمن والمسرات وجعل الله دولنا آمنة بفضل الله وولاة أمرنا حفظهم الله.. ودمتم بود.

بقلم : ابتسام الحبيل

ابتسام الحبيل