كتاب وأراء

التعليم على الطريقة العربية

عادت بنيتي من أول يوم دراسي لتروي لي أول درس.
قامت ميس «كارينا» بتوزيع حلوى على شكل كرات صغيرة من السكاكر مختلفة الألوان، ثم طالبتنا بوضعها في فمنا، وقالت: أنتم كالسكاكر، مختلفون في الأديان، الجنسيات والأشكال، ولكنكم طيبون.
فكلنا بشر طيبون، على اختلاف عقائدنا وأوطاننا، ولا نكون أشراراً، إلا إذا اتسخنا بأخلاق خربة، كما السكاكر مختلفة الألوان، لا تَفسُد إلا باتساخها.
وجاء الدرس الثاني عن العيد لمدرسة عربية، وذكرت خلاله أنه علينا التهرب من أي أجنبي يُعيد علينا، لحرمانية المعايدة على غير المسلمين.
وتناقشت مع صديقة عن التعليم العربي، وقد ارتأت أن التعليم جله سواء، وأفادتني أن التعليم الوطني أقوى من الدولي، فخشيت على الأبناء وكدت أسحبهم من مدرستهم.
لكن جاء الدرس الأول كفيلاً بغرس تطمينات بكون أبنائي في رعاية عقول طاهرة.
فتأتيني تقارير مدرسية عن صغاري كل ثلاثة أشهر.
وألمس من التقرير الإنجليزي دقة متناهية عن أوضاعهم فيما يخص مستوى إدراكهم، درجة ثقتهم بأنفسهم، وكيف استطاعت الطالبة التعبير عن مرادها مستخدمة مصطلحات جديدة، مع إشادة بتحسن مستواها التحريري ومفرداتها المكتسبة.
كما يذكر التقرير عدد الحروف التي يتلعثم فيها ابني، مصحوبةً بورقةٍ بها أسماء لاستشاريين متخصصين في تصحيح النطق.. كما يلفتني لفرط في النشاط الحركي لأحد أبنائي، مع تحذير من تأثيره اللاحق على تركيزه وقبوله الاجتماعي، مع حَثي لعرضه على مختص.
يبشرني التقرير باستيعاب الابنة للعمليات الحسابية مع مطالبتي بتدريبها عملياً أثناء التسوق كي لا يكون الحساب مضجراً.
كما أفادني أن ابنتي تستطيع الآن التحدث عن خواص بعض المعادن وتغيراتها واستخداماتها.. مع لفت نظري للوحات ابنتي، كون أفكارها مبتكرة.
وأشار التقرير لخطئهم باعتقادهم أن ابنتي انطوائية، فيما لاحظوا أنها كانت تختبر الماء لتتحسس مدى مقبوليتها اجتماعياً قبل الانخراط بين الأصدقاء، مؤكدين أنها من أقوى الطلاب فهماً للغة الجسد.
وأخطروني أنهم عالجوا مشكلة صغر خطها، حيث كانت تعتقد أن الأنثى لابد أن تتسم بصغر حجم الخط لتكون رقيقة.
فيما اكتفى التقرير العربي بالتالي:
كرمة طالبة مؤدبة ونشيطة، جيدة مع المعلمة.. بورك فيك.
ما ذكرني بأغنية كرتونية «أمي، هل تعلمين ماذا فعلت الليلة».
فنحن بصدد مدرستين إحداهما تنقب عن مواهب الطالب، فيما تكتفي الأخرى بالدعوات والتبريكات.
إحداهما تعين الطالب على معرفة ذاته، ليتحقق، ما سيجنبه هدر عقود من عمره بحثاً عن جانبه المضوي. بينما تنشغل الأخرى في تقديم مناهج قوية ويكأننا في حلبة صراع لا ابداع.
أذكر أثناء دراستي لدرزنه أعوام بمدرستي، أنه لم يلتفت لموهبتي في الكتابة سوى معلمتين من عشرات مررت من بينهم.
إحداهما طالبتنا بكتابة رسالة بالفرنسية، ثم أخبرتني أنها كانت تنتوي وضع أقل علامة لأتفه هفوة، لاستيائها من سلوكي بالفصل، لكن بعد قراءتها لرسالتي، وضعت أعلى علامة وكانت 5.5من 10، كوني لست فولتير لأنال العشرة.
و في التعبير، قيمتني مدرسة العربي 9.5، مؤكدة أنها حذفت نصف درجة، لا لضعف المستوى ولكن لخطأ املائي. وكانت أول جملة بالموضوع: «ضل الطريق».
فأجبتها ولكني لست المنفلوطي لنيل هذه الدرجة.
فردت: لو صقلت موهبتك فستكونين كالمنفلوطي.
فشرعت أهتم بالشعر والنثر.
وفي يوم، كتبت مدرسة بيتاً رائعاً من الشعر لإعرابه، فاستفسرت عن اسم الشاعر، فهاجت وصرخت كالقذافي: من أنتم؟
فزهدت الاطلاع، وضللت الطريق لعقود، فلم أدرس الأدب، على أنه ضالتي، واشتغلت في وظائف بعيدة عن الكتابة بسبب منهاج تربوي قلما يعين الطالب على معرفة طريقه.
بقلم : داليا الحديدي

داليا الحديدي