كتاب وأراء

«لا تستقيل من الحياة»

الشيخوخة ليست الستين أو ما حولها من أرقام، بل هي الركون وفقدان العمل ما يجلب الشعور بالإقالة من الحياة والإحساس بعدم الجدوى وبأنه تحول لعطل إجباري بين البشر!

ويواجه المسن مجتمعاً يقرر وضعه على رف الحياة لأنه بلغ من العمر أينعه، فيحكم عليه بالبطالة، فيترجمها المسن بعقم حياته الباقية، فيحيا مترقباً لحظة الرحيل فيوقع قرار استقالته من الحياة شاعراً أن محيطه يطالب بوفاته لأنه بلغ حد المنفعة، فينكسر مزاجياً ويقتل وقته سفحاً ويمتثل لما يطالبه المجتمع من وقار زائف يلائم صورة أكثر زيفاً رسمها مجتمعه الجاهل لمرحلته، فلا يمارس نشاطا أو يضطر لتبرير اقباله على الزواج بأنه للونس أو قبوله لعمل متواضع بأنه لإضاعة الوقت أو توضيح غرضه من التنزه بالامتثال لأوامر الطبيب، وربما يمل المسن اختلاق التبريرات، فيرضخ لقرار الركود الأسن في المنزل لأن محيطه يجيز له التعفن على كرسي بغرفته ويحرمه من الوثب في الملعب وإلا سيتندر به على الفضائيات!

إن أي مغترب يوصي أهله بتحريك سيارته كي لا تخرب من الركون ثم تجده يوصي إخوته بالإبقاء على والديه ليتجمدوا ببراد البيت ويأسنوا من شدة الحفظ!

فشعوبنا تتفق على أضرار البطالة بالأشياء لكنها تبرر بطالة الإنسان، فأي ماكينة تترك لمدة طويلة دون استخدام تصدأ، فكيف بالحي الذي تعد الحركة من خصائص حياته؟

الغريب أنه حتى بين صفوف النخبة تجد المستقيل من الحياة والقانع بالاستقرار دون الاستطلاع، لكن الأغرب أن بين صناع القرار من لم يلحظ أن عدم الاستفادة بالمسنين بما يحملوه من زخم معرفي يعد خسارة يتحتم تفاديها بإعادة تدويرها في أماكن تحتاجهم كهيئات الاستشارات الأسرية أو انتاج قنوات فضائية تستخدم خبرات المسنين وتتوجه لهم بخطاب ناضج يرتقي بمستواهم الفكري ويكف عن تصويرهم وكأنهم بركة البيت!

لست أدعو للمطالبة بالتمديد للموظفين لبعد الستين لاستبقاء شبابهم ولكني أدعو الموظفين لتطوير أنفسهم منذ الأربعين تحضيراً لمرحلة بُعَيد المعاش بالتبصر بإماكاناتهم الفردية وعدم جمودهم بقالب الوظيفة والبحث عن خطة بديلة، فلا يستسلمون لمسليات الطعام والرغي، فيتحولون لمستكرشين فتبطئ حركتهم وتقل عنايتهم بهندامهم، بل إن بعض العاطلين يتحول لغول في منزله يسعى للسيطرة على التافه والجلل ويهمل حتى الاستحمام ويمسي عبئاً على أسرته ولايجد نفسه بلا مواعيد أو أصدقاء وبلا هواية أو دراسة وبلا هدف يُطًعِّم الحياة ويبررها.

إن لاعب الكرة يعتزل الملاعب بالثلاثين بينما يأفل نجم شباك السينما بالأربعين، وقد تمتد أعمار الطيارين العملية لقبيل الخمسين في حين يلمس الموظف عتبة المعاش بالستين، وتتجاوز أعمار التجار السبعين لأن الكسب يتطلب اليقظة في متاجرهم، أما أعمار الكتاب والرسامين العملية فتبدأ بُعَيد الستين، وكلما كهل المفكر وسن، استرجح عقله وتفاخر مزهواً بتجاعيده الشاهدة على عمق معرفته التي هي بضاعته التي لا تصدأ مع الزمن،بل تنمو.

لقد حاز سعد زغلول دبلوم الحقوق بسن الأربعين ودرس الألمانية في الستين وتعلم محمد عبده الفرنسية بالخمسين، وبدأ مايكل انجلو نظم الشعر في الثمانين، ونشر جاليليو كتابه «دوران القمر» في السبعين وعين فرانكلين سفيراً لأميركا بفرنسا في الثمانين ودرس جوته العربية والفارسية بعد الستين كما كتب «فاوست» في الثمانين، إلا أن أعظم مؤلفاته هو شخصيته التي بناها بل شيدها ليعرف العالم أن الشيخوخة تكافح بالعمل وبملء الخواء النفسي والذهني وبالانغماس في الحياة لا بالاستقالة منها.



بقلم : داليا الحديدي

داليا الحديدي