كتاب وأراء

رد اعتبار للصورة الفوتوغرافية الملونة

كاد الناس أن ينسوا معارض الصور لكن موجة جديدة للإحتفاء بالصورة سرت في أميركا تهتم «بالعين اللاقطة» و« العدسة الذكية» إلى حد أن صحيفة «واشنطن بوست» العريقة خصصت مسابقة لأفضل صورة يلتقطها سياح يستهويهم تسجيل رحلاتهم عبر التصوير الفوتوغرافي. وأعلنت الصحيفة قبل أيام عن أفضل عشر صور.
هذه الموجة التي يزداد زخمها كانت قد بدأت قبل سنوات.
واللافت أن صحفيين يعملون في مختلف وسائل الإعلام الأميركية هم الذين كانوا قد أعادوا إلى الصورة الفوتوغرافية الملونة وهجها بعد أن تعرضت للتهميش بسبب التطور الكبير لمقاطع الفيديو. إختار الصحفيون يومئذٍ الإحتفال ببداية قرن جديد على تأسيس« نادي الصحافة الوطني» في واشنطن عام 1908 بتنظيم معرضين للصور في واشنطن ونيويورك.
كان المعرض الأول بعنوان «وجوه من آسيا» ضم مجموعة صور إلتقطها المصور الأميركي ميشيل فولي’ الذي يعمل مصوراً حراً مع عدد من الصحف والمجلات. بقى ذلك المعرض مفتوحاً امام الجمهور لمدة 12 يوماً ولاقى إقبالاً لافتاً. الوجوه التي التقطتها عدسة فولي تعكس التفاؤل على الرغم من الفقر المدقع’ كما يشع من أعين شخوصها بريق الأمل. ربما تعمد المصور أن يجمع بين متناقضات في صوره’ والتركيز على فكرة أن الفقر لا يقتل الأمل.
يقول المصور ميشيل فولي« أفضل أن أكون في الوقت المناسب مع اضاءة سليمة وان يقبل الناس طواعية إلتقاط صور لهم تعبر عن شخصيتهم». مشيراً إلى انه التقط صوره وهو يتجول في الشارع أو الأسواق أو القرى ومحطات القطار.
يضيف «أجد وجهاً يستحق التصوير’ أرفع الكاميرا وأسأله هل يمكنني ذلك، واذا وافق وعندما أضغط على زر الكاميرا أكون قد تيقنت أن روح الشخص أصبحت في جوفها».
المعرض الثاني الذي نظم في نيويورك لمصور أصله من الشيلي.
برع المصور كاميلو خوسي فيرغارا، في تصوير لقطات من الأحياء والمدن الاميركية، مجموعة متنوعة من أعماله. ظلت تستهوي فيرغارا تصوير البنايات التاريخية، حيث يسجل التعديلات التي تطرأ عليها، أو تداعيها وهدمها وبناء عمارات أخرى على أنقاضها، وفي أحيان تحويلها إلى مواقف للسيارات.
كانت صور معرض نيويورك الذي شهد اقبالاً منقطع النظير بعنوان «هارلم» وهو حي الفقر والتعاسة في نيويورك، حي ارتبط إسمه بالمخدرات والجريمة لعقود، قبل ان يطاله التغيير. في حي هارلم ولد دبليو دوبوي، أول أسود نال دكتوراه من جامعة هارفارد. هناك ألف لانغستون هيوز قصيدة «زنجي يتكلم عن الأنهار» (الكونغو والنيل ودجلة والفرات).
هناك عزف لوي آرمسترونغ، أعظم عازف ساكسوفون في القرن العشرين، لحن «احزان الطرف الشرقي». هناك تعلم المغني مايكل جاكسون الغناء. هناك ولد اسطورة الراب توباك. هناك ولد كولن باول، أول أسود يصبح قائدا عاما للقوات الأميركية ووزيرا للخارجية.
هناك سجل فيرغارا لقطاته المعبرة ايضاً. يقول فيرغارا عن نفسه «إن تركيزه على أشياء محسوسة يبعد عنه القلق، وينقله إلى عقود خلت حيث توارت طفولته، وتربطه مع الثقافة الاميركية، يعتقد أنه يتحول في بعض الاحيان إلى شبح يتربص باشباح.
هذه «الاشباح» هي التي تظهر في معرضه الذي عرض خلاله مائة صورة وهيمنت عليه صور من حي هارلم. يقول فيرغارا إنه زار ذلك الحي عندما وصل نيويورك عام 1968 وكان سنه آنذاك 24 سنة، حيث بدا له مكاناً يغوص في الفقر، وتعرض إلى أضرار يصعب اصلاحها. وفي ذلك الوقت راح يلتقط صوره من حي هارلم. هكذا أعاد معرضان الاعتبار للصورة الملونة بعد ان كانت مثل هذه المعارض تقتصر على الصور بالابيض والاسود.
ها هي الموجة تتصاعد الآن إلى حد أن شركات تصنيع الكاميرات قالت إن مبيعاتها تعرف إقبالاً عقب فترة كساد كادت أن تندثر خلالها هذه الكاميرات بسبب إنفجار موجة الهواتف الذكية التي تفعل كل شيء بما في ذلك التصوير. لكن شتان ما بين الهواية والاحتراف.

بقلم : طلحة جبريل

طلحة جبريل