كتاب وأراء

المغرب وصراع البرامج الانتخابية

من الناحية المعيارية والنظرية، كان من المفترض أن يشكل استحقاق الانتخابات التشريعية المغربية لأكتوبر 2016، فرصة مواتية للتباري البرنامجي بين الأحزاب السياسية.
بيان أسباب ذلك لا يخرج عن عاملين محددين، الأول له علاقة بالوثيقة الدستورية الجديدة والصلاحيات الممنوحة للحكومة وهو ما سمح بعد 2011 بالحديث عن فرضية تحول التقاطبات السياسية من قضايا تدبير العلاقة مع الدولة إلى مواضيع تدبير الشأن العام، والثاني له علاقة بتواتر المشاركات الحكومية للأحزاب السياسية، وهو ما يمنح لها زاوية جديدة للنظر في قضايا التدبير العمومي، تسمح بالخروج من دائرة العموميات المثالية، وبالتنسيب الضروري لأطروحاتها، ذلك أن تمثل الحزب الذي سبق له أن مر من اختبار التدبير لمفهوم البرنامج، لا علاقة له بالتأكيد بتمثل الحزب الذي لم يسبق له قط الاشتباك المباشر، من موقع المسؤولية، مع قضايا الأجوبة اليومية للمجتمع.
لكن الواقع أنه لا «أثر الدستور»، ولا «أثر التدبير»، سيحسم في طبع الاستحقاق القادم ببصمة التنافس البرنامجي.
لماذا؟
أولا: لأنه طوال مدة هذه الولاية المشرفة على النهاية، لم تشكل السياسات موضوعا جديا للصراع السياسي وللتقاطب أغلبية/معارضة، ذلك أن خيار المعارضة غير منبرية والمبنية على الاقتراح وإعداد البدائل، لم يدم طويلا مما فوت عمليا على البلاد فرصة تبلور بديل واضح للسياسة الحكومية المتبعة، يسمح بالحديث عن إمكانية تناوب جديد.
لذلك ولأن اللحظة الانتخابية مجرد تكثيف لسياقها السياسي، فالمؤكد أنها لا يمكن أن تصبح- هكذا- فجأة لحظة لمبارزة الأفكار والاقتراحات.
ثانيا: يتجه جزء من الثقافة السياسية للفاعلين نحو التسليم بوجود برنامج للدولة ثابت ومركزي ومتعالي عن الدورة الانتخابية، ليس على الحكومات سوى التعايش معه وإيجاد المسوغات الضرورية للدفاع عنه، كما أن طبيعة نمط الاقتراع الذي يصنع أغلبيات هشة تجعل من فكرة البرنامج الانتخابي فكرة سهلة الذوبان في فنجان البرنامج الحكومي التوافقي والمشترك.
ثالثا: يوجد البرنامج الانتخابي في مستوى متفرع من المشروع السياسي الذي يمتح بدوره من المرجعية الأيديولوجية والقيمية، لذلك فسؤال البرامج يرتبط كذلك بالهوية المذهبية للأحزاب، وهنا فالملاحظ أن رقعة التباينات الأيديولوجية تزداد ضيقا، ذلك أن الموضوع الرئيس اليوم للاختيارات العمومية والمتعلق بالسياسة الاجتماعية، لا يبدو حوله تقاطب واضح بين مشروعين مختلفين ومتنافسين.
وهنا فخارج الهوية المذهبية الواضحة للبرامج الانتخابية، فإنها ستتحول إلى ركام من الأرقام والمؤشرات بدون روح ولا معنى، كما ستصبح مجرد «موضة» تعبر عن استبطان للمقاربة التقنقراطية عوض أن تكون تعبيرا عن حضور «السياسة».
رابعا: لأن مسار المرحلة واتجاهها العام، لا يجعل اليوم من قضية السياسات أولوية في جدول أعمال الفاعلين وفي الخطابات المهيمنة على المشهد، ذلك أن سقف العرض السياسي لكلا التنظيمين المهيكلين للمشهد الحزبي المغربي؛ العدالة والتنمية، والأصالة والمعاصرة، يضعان رهانات المحطة الانتخابية في مستوى «فوق- برنامجي»، إذ عندما يدعو الحزب الأول إلى اعتبار تاريخ الاقتراع لحظة لمواجهة التحكم والارتداد السلطوي، وعندما يدعو الحزب الثاني إلى اعتباره لحظة للإنقاذ البلاد من هيمنة أيديولوجية إسلامية وشيكة، فهذا يعني أن مسألة البرنامج قد أصبحت مسألة ثانوية.

بقلم : حسن طارق

حسن طارق