كتاب وأراء

«متفرنج وأفتخر»





كثر منا إطلاق الأحكام وأخذ الانطباعات عن الناس والقضايا بلا دقة ولا تفصيل.

وبضمير ضامر اعتدنا تعميم المخصص وتخصيص المعمم، فالندرة هي من تسعى لتحري الحقيقة، فلأن معرفة الحق تزعج وإصابة الحقيقة تفضح خطأ المعتقد، فنجد أن العوام يرتاحون لتصديق صحة قناعاتهم لا تعديلها للأصوب.

ولن أمل من تكرار مقولة: «إن تغيير عاداتنا وهدمها أصعب من هدم الأوثان». حتى إننا تماهينا مع عادة الإغراق في التعميم وتكوين صور باهرة وربما وهمية أو تصدير صور تشويهية عن شخصيات أو عن شعوب برمتها لمجرد تعاملنا مع نموذج أو اثنين.. أما لو ذكر أحدهم أنه سافر إلى بلد ما، فهذا كفيل بتحويله لخبير استراتيجي ضليع في خبايا هذا الشعب.

هكذا وبكل بساطة، تم تشويه سمعة أهل المنوفية والخليل، فصاروا بخلاء رسمياً أو مزحاً للإفلات من العتب– لم يذكر الله قصة لأي كريم إلا قصة إبراهيم الخليل حينما ضيّف أغرابا بعجل حنيذ- ومع ذلك نستمتع بالترويج لكون الخلايلة بخلاء! وصارت السورية أفضل كزوجة من اللبنانية والتونسية! وتمتع الشراقوة بصفة الكرم وأهل المنصورة بالجمال والصعايدة بالدماغ اليابس!

إننا أساتذة جلد الذات ونخر وهدم أي إيجابيات في مجتمعاتنا.. فصدق فينا قوله تعالي: «سماعون للكذب»!

حتى أم الدنيا والتي ذكرت في التنزيل مرتين أو ربت ويشيد بها العالم بأسره، عدا أهلها فإنهم مهرة في قدح أنفسهم وصارت ميزة المصريين الوحيدة هي أن دمهم خفيف! فأي جمال في مصر يتنكر له بل يبرر بأن صاحبته من أصل تركي وحبذا لو وجد محمدة فإنها تجد من النكران أو التحجج بأن صاحبها قد عاش في مجتمع غربي!

ولم يشفع لمصر علماؤها وفنانوها ومبدعوها وأحدثكم وكلي حرج عن كم عرب من فلسطين والعراق– سمي عراق لعراقته- بل ومن السودان ومصممون على تعريف أنفسهم كبريطانيين أو أميركان لحيازتهم جواز سفر أجنبيا، فتنصلوا من جذورهم بعارها وصار لسان حالهم يقول «متفرنج وأفتخر».

إنه ليعز على نفسي أن أجد الألمان يروجون لعبقرياتهم والسويسريين لدقتهم والفرنسيين لفنونهم وأناقتهم والنمساويين لإبداعهم وجمال بلادهم والأميركان لتفوقهم العلمي والحربي واليابان لتفوقهم الاقتصادي بينما نحن نتسابق للتراشق بالتشنيع عن سلبياتنا وإنكار فضائلنا.

أحسبني ضد النعرات تعصبية فلقد قالها الرسول: «اتركوها فإنها منتنة» ولكن يستوقفني تمسك المرء بأصله لذا، أعترف بإعجابي «بعرار» أعظم شعراء الأردن حينما سافر للدراسة بدمشق ولما عاد كتب:

قالوا: تدمشق.. قولوا بلى لا يزال على عهده أربدي اللون حوراني.

بقلم : داليا الحديدي

داليا الحديدي