كتاب وأراء

التسلية الغارقة

إن البرامج التليفزيونية هي محطات وقتية هامة في جدول البث التليفزيوني الأرض والفضائي لأي شبكة تليفزيونية على وجه الأرض عدا تلك القائمة على بث الأغاني أو المسلسلات وشبكات تخصصية ضمن باقة من الشبكات المنوعة لنفس المحطة، وفي الحقيقة جل ما يشد المتابعين لأي محطة هو اهتمامها بتنويع برامجها في خريطة بثها الدورية بحيث تستقطب جميع الشرائح أو حتى أغلب الشرائح العمرية وأصحاب الذائقة النوعية، لذا نجد أن الغالبية في فضائنا العربي يجنح إلى النشاط والتميز في فترة الذروة التليفزيونية وهي مواسم رمضان والعيدين والمناسبات الوطنية والعالمية خاصة وان جيوب الإنتاج تكون مليئة بالميزانيات التي تبخ بها على هذه المحطات أياً كان نوعها بهدف الترويج الدعائي أولاً وبهدف مآرب أخرى لسنا في معرضها الآن ثانياً، ولما كانت هذه المواسم هي ذروة الاتقاد والاشتعال لكل ما هو إبداع وفن في تقديم مضامين وأساليب برامجية مبهرة للجمهور نلاحظ أن الصرعة الجديدة باتت أكثر افلاسا، حيث لا جديد يقدم إجمالاً بما أن قاعدة التعميم فاسدة، وهذا الإجمال الذي أتحدث عنه يعم الأرجاء والأصقاع إلا من رحم ربي!
إن عروجاً سريعاً على نمط البرامج التي تروجها الفضائيات العربية مؤخرا يؤكد لنا أن صناع ومنتجي البرامج الخلاقة جانبوا الكسل وباتوا يكررون أنفسهم مرات كثيرة ويأخذون عددا من الأفكار التي قدمت في برامج التليفزيونات الأميركية والبريطانية وغيرها ويقومون بتوليفها للعرض في نسخها العربية ما يجعل سقف الإبداع والتميز ينهار على أصحابه كل مرة، إن هناك عشرات الدراسات وأوراق العمل والأبحاث، ومئات المقالات والتحقيقات الصحفية، التي ناقشت آثار ظاهرة البرامج الهابطة في الفضاء العربي، وهناك ما يشبه الإجماع بأن النتيجة في الجانب الأخلاقي والقيمي هي نتيجة سلبية وخطيرة والتي تتمثل في خلخلة فكر المجتمعات وقيمها ونسيجها المترابط، وإعاقة حركة نهوضها وتقدمها وتنميتها البشرية، بالإضافة إلى تقليل قدرة الإنسان على أن يبذل جهداً عقلياً منظماً لتطوير نفسه وبناء ذاته، وتطوير مجتمعه، واستنزاف أوقات الشباب وطاقاتهم، وإلهائهم عن حياتهم، وإغراقهم فيما لا يعود عليهم بالفائدة، ناهيك عن استغلال الموارد المالية للمشاهدين، واستنزاف قدراتهم المادية، بأساليب متعددة ومتنوعة، بالإضافة إلى تحويل الشباب العربي إلى مستهلكين شديدي الولاء للجوانب السلبية في الثقافات الأجنبية، فلا يتم تسويق قيم العمل وأخلاقه، ولا البحث العلمي وأدواته، ولا الالتزام المجتمعي ومؤسساته، ولا الحراك الحضاري وآلياته، وإنما يقوم الإعلام السلبي بتسويق أخلاقيات الشوارع المظلمة، والطبقات السفلى من الثقافات الأجنبية، والأمر الذي يؤدي إلى تغيير وتبديل وقلب المفاهيم، وتزييفها أمام المشاهدين، فالإعلام السلبي يجعل اللصوصية بطولة، والغدر كياسة، والخيانة فطانة، والاحتيال ذكاء، والعنف هو أقصر الطرق لتحقيق المآرب، وعقوق الآباء تحرراً، وبر الوالدين ذلاً، والزواج رقاً واستعباداً، والنشوز حقاً، والعفة كبتاً، كما أن هذه البرامج قد تقوم بإثارة الغرائز الجنسية، وتشجيع انتشار الرذيلة، والترويج لشرب الخمور، وتناول المسكرات، وتعاطي المخدرات، ولا يكون ذلك بإعلانات مباشرة، ولكن بالتضمين والإدراج والإيحاء، في سياق المحتوى الإعلامي، الذي يجعل من هذه الانحرافات شيئاً شهياً مغرياً، يحفز الإنسان لتجربته.
بالطبع أنا لا أتهم كل ما تم تقديمه في الفترة السابقة من برامج على فضائياتنا العربية بالهابط والمفلس، فكثير من البرامج المقدمة تقدم التوعية والمعلومة والخبر الصحيح للجمهور المترقب لهذه الشاشة الذهبية، واني لا أتحيز على الإطلاق إن قلت ان باقة برامجنا التليفزيونية المقدمة سواء في تليفزيون قطر أو عبر قناة الريان تخلو تماما من أي تسلية هابطة بل وإنها على العكس تقدم قيما ايجابية وتحيط نفسها كثيرا بضوابط الشرع والمجتمع والفكر مع حاجتها المستمرة للتطوير والإبداع وهو أمر مفروغ منه، ان العتب الشديد على صناع هذه البرامج الذين يعلمون بلا شك تأثيرها المباشر على الجمهور وترويجها لثقافات جديدة نكون في غنى عنها مع اصرارهم على انتاج المزيد من البرامج الغنائية الهابطة أو برامج المسابقات التافهة أو الفوازير المليئة بالإيحاءات الخادشة، ناهيك عن البرامج التي تسلب لب المشاهد والتي تبنى على الفضائح أو على خديعة الضيوف والمشاهير والفنانين والضحك على عقول الجميع تحت ستار التسلية والجمهور هكذا يريد!
إن مرحلة العتب وكل هذا التنظير الذي نقوم به نحن الكتاب والنقاد والأكاديميين من الباحثين في آثار مثل هذا النمط البرامجي يجب أن يتطور ويدخل حيز التطبيق، بحيث لا يسمح ملاك هذه القنوات أيا كان توجهها بعرض مثل هذه التفاهات في المدة الزمنية التليفزيونية وألا يحشو فضاؤهم بأي شيء كان ليسدوا الوقت المترقب وفقط وعلى الجهات المسؤولة أن تتدخل بإيقاف هذه المشاريع البرامجية ابتداء من الفكرة ومطاردتها قبل ان تصل إلى الشاشات وتلعب في عقل المشاهد بمختلف مستوياته الفكرية والعمرية.

بقلم : خولة مرتضوي

خولة مرتضوي