كتاب وأراء

المسارات الانتقالية في المنطقة العربية


المسار الانتقالي أو المرحلة الانتقالية أو العملية الانتقالية كلها أسماء تحيل إلى نفس المسمى الذي يشير إلى المرحلة التالية لتغيّر اجتماعي وسياسي كبير في دولة ما. الانتقال هو التحول من حالة سياسية معينة نحو حالة أخرى مختلفة عن سابقتها تسعى إلى تجاوز نقائص المرحلة الأولى وإصلاح الأخطاء والتجاوزات التي وقعت في المرحلة السابقة. التسمية تفيد إذن معنى التحول من السلب إلى الإيجاب أو هكذا يراد لها أن تكون لأنها تفسّر السبب الذي من أجله حدث التغيير الاجتماعي. ثورات الربيع العربي بما هي أعظم وأهم التغيرات التي عرفتها المنطقة خلال الفترة الحديثة من عمر الدولة العربية الناشئة كانت في حقيقتها محاولات شعبية لتحقيق تحول نحو مجتمعات أكثر عدلا وأقل ظلما. فرغم كل الانتكاسات والارتدادات التي عرفتها الموجات الثورية في مصر وتونس وسوريا خاصة إلا أن مساراتٍ انتقالية قد دُشّنت بعد نهاية المرحلة الأولى ممثلة في سقوط النظام الاستبدادي.. لقد سقط النظام الاستبدادي في مصر وليبيا وتونس معلناً نهاية مرحلة بشكل فعلي ومُمهداً لتدشين مرحلة جديدة هي مطمح المسار الانتقالي أو هي في أحيان كثيرة جزء من هذا المسار. قراءة المسارات الانتقالية في المنطقة العربية تخضع لزاويتيْ مقاربة مختلفتين: تنطلق القراءة الأولى من زاوية كُليّة تستهدف تبيّن المشهد العربي برمته وهي أعلَق بالكليات والمبادئ العامة منها بالجزئيات السياقية لكنها لا تختلف عنها كثيرا أما القراءة الثانية فتتأسس على زاوية سياقية تستهدف كل تجربة ثورية على حدة مراعية نسقها الخاص وخصائصها المميزة.
المسح السياقي العام للمسارات الانتقالية العربية يكشف خصوصية بينيّة جلية في التجارب الثلاثة المكتملة أي تجربة تونس ومصر وليبيا خاصة. في مصر فشلت النخب المصرية، خاصة السياسية منها في تأمين المسار الانتقالي وفي الاتفاق على سقف وطني يقطع مع الحكم العسكري الذي يحكم مصر بالنار والحديد.. كما سجل الإخوان المسلمون أسوأ تجربة لهم في حكم مصر بأن ارتكبوا أخطاء قاتلة يطول شرحها لكنها ساهمت بشكل كبير في إحياء الثورة العميقة من رماد.. إن أهم ما يميز السياق الانتقالي المصري هو تغوّل الدولة العسكرية بما هي دولة داخل الدولة، كما أن التقاطعات الإقليمية والدولية والثقل الحضاري للفاعل المصري ساهمت في إفشال المسار وأطاحت بأول حاكم مدني في تاريخ مصر الحديث. في ليبيا كذلك ورغم أن الوضع الأمني يراوح مكانه، فإن المسار الانتقالي لم يُنجز وكان لتشرذم النخب السياسية الليبية وتمزق أنسجتها دور فعال في التمكين للفوضى وللتدخل الأجنبي الذي أطاح بالمسار في ليبيا.. أما ما يميز التجربة فهو غياب المؤسسات عن نظام القذافي وتدخل الخارج الأجنبي بشكل مباشر ثم طبيعة التركيبة الاجتماعية والثقافية للمجتمع الليبي. أما في تونس التي تعتبر نموذجاً ناجحاً للانتقال الديمقراطي، فإنها في الحقيقة واجهة للإخفاء عودة النظام القديم وبشكل رسمي من بوابة الانتخابات وعبر المؤسسات السيادية.. فالوضع الاقتصادي الكارثي هناك والأزمة الاجتماعية الخانقة تنبئ كلها بشتاء ساخن في ظل انتشار الجريمة وعودة المنظومة القمعية بشكل لا تخطئه العين فخاصية النموذج التونسي هو نعومة فشل المسار الانتقالي وغياب مظاهر التسلح المباشرة التي عرفتها ثورات أخرى. إن فشل المسارات الانتقالية العربية للتجربة الثورية الأولى لا يعني فشل موجة التغيير برمتها بقدر ما يعلن عن تجدد أسباب الموجة الثانية ما لم تبلغ عملية التغيير هدفها الذي نشأت من أجله.
بقلم : محمد هنيد

محمد هنيد