كتاب وأراء

ســوريـــا .. لا تصدقوا الوعود

لا تصدقوا ما تسمعون؛ الاتفاق الموعود بين واشنطن وموسكو، لن يضع حداً لعذابات السوريين.. في أحسن الأحوال هدنة قصيرة في حلب لترتيب الأوراق.. وفي أسوأ الأحوال، ودائماً ما كانت كذلك، تسوية بين القطبين لتقاسم الأجواء، وساحات المعارك، تمهيداً لجولات جديدة من القتال؛ تارة بحجة محاربة الإرهاب، وتارة أخرى لردع قوات النظام.
«الميديا» تخلق الأوهام وتبيعها للناس.. هذا ليس بالأمر الجديد.. كم مرة قالوا إن قمة الزعيمين ستضع نهاية للأزمة في سوريا؟ في بعض الأحيان، كانت مكالمة هاتفية تتحول لحدث يشغل وسائل الإعلام،وتعقد عليها رهانات كبيرة.
لاشيء من ذلك يجدي.. جنيف شهدت جولة تلو جولة، وفيينا كانت الأمل والمرتجى حينا، فماذا حصل؟ لا شيء على الإطلاق.. ظلت سوريا على حالها ميداناً للموت اليومي، وساحة تعج بالمليشيات والمرتزقة من كل الدنيا.. براميل الموت لم تغيب يوما،والصواريخ صارت عابرة، تأتي من أعالي البحار لتقتل الأطفال في أدلب وحلب.
هل تراجعت أعداد اللاجئين؟ أبدا كل ما حدث أن حدود دول الجوار أغلقت في وجوههم،فصار لزاما عليهم البقاء وسط الجثث إلى أن تحل ساعة المنية.
الغذاء والدواء يصل بالقطارة.. مئات الاجتماعات الأممية، وعشرات المنظمات الإنسانية لم تنجح في كسر الحصارات المفروضة على البلدات والقرى.دخول بضع شاحنات، يتطلب اتصالات على أعلى مستوى بين الدول، وفي بعض الأحيان قمم رفيعة، تهلل بعدها وسائل الإعلام،لما تحقق من إنجاز خارق للعادة،لا يزيد في الواقع عن السماح لقافلة واحدة بالدخول لبلدة تعج بآلاف السكان الجوعى والمرضى.
منذ تلك اللحظة التي تحولت فيها المشكلة السورية إلى مسألة دولية، خسرت سوريا وشعبها فرصة الخلاص من الكارثة.. استدعت القوى الدولية كل ما بينها من ضغائن وخلافات إلى سوريا، لتدخل في مساومات لا تنتهي حول قضايا شائكة وعالقة منذ سنين.
أسعار النفط، ومشكلة أوكرانيا، والموقف من القضية الكردية، وحرب اليمن، والترسانات النووية، والخلافات مع الاتحاد الأوروبي، وأخيراً وليس أخراً الانتخابات الأميركية حضرت كلها على طاولة المساومات في سوريا.. سوريا أرضا وشعبا باتت طاولة للرهانات الدولية، واختبار النوايا، وامتحان القدرات، لا بل وتجريب أحدث الأسلحة.. ألم يقلها بوتين صراحة؟!
ومنذ ذلك اليوم الذي صارت فيه قضية سوريا بيد الأجنبي، لم يعد بوسع السوري في ذاك الخندق، أن يلقي التحية على شقيقه في الخندق الآخر، إلا بإذن من جنرال في عاصمة بعيدة.
في بعض الأحيان لا تفصل بين السوري وأخيه بضعة أمتار، لكن ليس بمقدورهما أن يتفقا على وقف إطلاق النار إذا لم يأت القرار من موسكو أو واشنطن.
أصبح دواء السوريين وطعامهم،بقرار خارجي.. وصار الخيار بين الموت والحياة بيد طرف أجنبي. لم يعد هناك من يسأل عن رأي الملايين من البشر وسط هذه المأساة.. الكلام كله بين الزعامات، والسؤال عما تريد ولا تريد. مستقبل السوريين لا يعني أحداً، المهم أن تضمن روسيا مصالحها وقواعدها.. ولا تخسر أميركا حلفاءها الكرد، وبالطبع أمن إسرائيل وحدودها في الجولان المحتل.
سوريا اليوم عالقة، وإلى أجل غير مسمى في صراع دولي وإقليمي لا نهاية له.. مصالح القوى المتصارعة تتقدم على كل الاعتبارات.. من يتابع النقاشات الجارية حول الاتفاق الموعود، ويغوص في ثنايا المفاوضات، والكولسات الدبلوماسية، سيرى الحقائق المرة؛ سوريا ليست في الحسبان أبداً، القضايا الجوهرية تخص دولاً وشعوباً ليس من بينهم الشعب السوري.
النظام ورقة تفاوض فيها موسكو،لا قيمة ولا دور له في كل ما يدور.. المعارضة بائسة ومحطمة، وتنتظر من الحلفاء الدعم والخلاص فلا تجده.. غارقة في لعبة التصنيفات وتبحث عن شرعيتها بصك براءة من واشنطن.
سيصل الروس والأميركان لاتفاق قريبا،لكن هذا أمر يخصهم. سوريا لاتزال بعيدة عن السلام.. لم تحن بعد لحظة الخلاص من الواقع الرهيب؛ فمادامت القضية بيد الأجنبي لا أمل للسوريين بالحرية والاستقرار.

بقلم : فهد الخيطان

فهد الخيطان