كتاب وأراء

الثقة في المنتج المحلي

جاكيت جميلٌ وأنيق، سحنة بيضاء، وشعرٌ أشقر، يحمل جنسية غير عربيّة –للدقة-، صاحب مؤهل جامعي، وسنتين خبرة عملية كمنظم مرور قطارات، في محطة قطارٍ أجنبية، تقدم هو ورجل آخر ولنَقُل شاب عربي، خليجي، ذكيٌّ جِدًّا، وعبقري، ومجتهد، ومجيد، لديه شهادة الماجستير، وخبرة 5 سنوات في مجال الموارد البشرية، لوظيفة مدير عام موارد بشرية. نتيجة المقابلة، غير مُفاجئة وطبيعية جدًا، تم فيها قبول الأجنبي صاحب الحصانة الخاصة والتي أهلته ليحل محل المواطن الأكثر خبرة وكفاءة، والسبب... مجهول؟!

إذ أن الحيثيات التي يُبنى عليها التوظيف في كثيرٍ من الوظائف التنفيذية، والعليا في بعض دول الخليج العربي خاصةً، غير قابلة للقياس وغير منطقية، والمعادلة غير عادلة في أغلب الأحيان. لدرجة أنك حين تَتَلقى بعض الصدمات من الأخبار المرتبطة بتوظيف عددٍ من الأجانب، تشعُر وكأن الأمر عبارة عن نُكته تافهة لا ترقى لمستوى موضوع. ولا يقتصر الأمر على القطاع الخاص، فهُناك بعض السقطات الخاصة بتعيين أجانب بالمعنى الحرفي، كمستشارين في بعض الوزارات أو كخبراء، لا يُجيدون العربية، ولا يلتقون مع ثقافة الشعب الذي يعملون فيه، لا من قريب ولا من بعيد، وما يدعو إلى العجب أن تُسلّم لهم مسؤوليات تنموية اجتماعية أو ثقافية أو تربوية.

نتساءل، متى ستُمنح الثقة المأمولة كمُنتج محلي جدير بالثقة؟! متى سيُرحّب به ككادر مؤهل؟

يا تُرى، هل لا زالت معادلة التوظيف قائمة على أن معرفة اللغة الإنجليزية تساوي وظيفة مرموقة أو جيّدة، أم أن الجنسية الأجنبية (الأوروبية أو الأسيوية أو الأميركية...إلخ) هي التي تساوي وظيفة براتب مُضاعف ثلاثًا ومميزات لا تُعد ولا تُحصى، بغض الطرف عن مدى تأهّل المتقدم للوظيفة!

سابِقًا كانت تطفو الكثير من الأعذار، أن السبب هو ضعف كفاءة الشاب الخليجي، وعدم أهليته؛ لتقلّد مناصب تنفيذية عليا سواء في القطاع الخاص أو الحكومي، تلك الكفاءة التي ترتبط بالخبرة غالبًا، والمؤهلات أيضًا، وإجادة لغةٍ ما حسب الطلب، بجانب الكريزما والمظهر...إلخ. ولنقتنع بما يتردد ويُذاع كمبررات، ولنكون عادلين، نشير أن هذه المبررات الآنفة الذكر، تنطبق إلى حدٍ ما وليس كليًّا على كفاءة الشاب الخليجي أيام السبعينيات، إذ كان المجتمع الخليجي يحتاج وبشدّة إلى كفاءات أجنبية غربيّة وعربية؛ للرقي بالمجتمع، ولتأهيل الخليجيين؛ حتى يتمكنوا من خوض غمار العمل في القطاع الحكومي والخاص في آن واحد ودفّ عجلة التنمية في البلاد. لكن في الألفية، وبعد ابتعاث الآلاف، وفتح الجامعات المحلية، للدراسات الجامعية والعليا، وتدشين معاهد التدريب والتطوير، نجد أن الشاب المؤهل موجود، واللغة غالبًا مُتقنة وجيّدة، الخبرات لا تنقصُ الكثيرين -بدون مبالغة-خاصة مع توسّع مجال التدريب أثناء الدراسة، ومشاركة الطلاب واندماجهم مع المجتمع بمختلف الأنشطة والبرامج والدورات، وسعي كثير من الطلاب للعمل تحت التدريب وأيضًا تأهيل أنفسهم قبل الاتجاه إلى سوق العمل.

لذا، إذا كانت القضية تدّعي أن الغالبية من الشباب غير مؤهلين، فمن المؤهل؟! وماذا عن المؤهلين ممن أثبتوا كفاءتهم وتم إحلال الأجنبي غير الكفء مكانهم؟! ثم ما الضير في تأهيل المستحقين، إذا كانوا سيوفرون مستقبلًا الكثير من العبء المادي الذي يتطلّبه توظيف الأجنبي صاحب الراتب الخيالي وعلاوات خمس نجوم والبدل، وأهمها بدل ضربة الشمس، والتأمين الصحي وغيره.

هذا علاوة على ما يأتي به الأجنبي من قيمٍ مزرية أو نظرة الدونية التي يحدق بها إلى المواطن.

تذكروا أن سلوك أيّ مؤسسة يتوقف عليه مصير مجتمع، فلتجعل كل مؤسسة من نفسها قدوة.



بقلم : زهرة بنت سعيد القايدي

زهرة بنت سعيد القايدي