كتاب وأراء

نحو إدارة ناجحة .. خصخصة السلع العامة والعكس (1)

تظهر مشكلة اقتصادية هذه الأيام في بعض البلاد العربية مردها هو التقليد الغير مدروس لبعض أنماط الإنتاج للسلع والخدمات في الدول الغربية وبخاصة أميركا. وحتى يتفهم القارئ المقصود هنا دعنا أولا نشرح أن هناك ثلاثة أنواع من السلع والخدمات التي يتم إنتاجها واستهلاكها في أي مجتمع: السلع العامة والسلع الخاصة، والسلع شبه العامة أو (المستحقة). السلع والخدمات العامة ومن امثلتها المجهود الحربي والدفاع الوطني اوخدمات النظام القضائي اوالحماية إلى تقدمها الشرطة أو خدمات أجهزة المطافئ ومثيلاتها.
هذه الخدمات لا يمكن تقديمها من خلال السوق (او القطاع الخاص), لأنه يتم استهلاكها بصورة جماعية وليست فردية حيث أن هذه السلعة أو الخدمة ينتج عنها منافع تعود على المجتمع ككل، وليس على فرد أو أفراد بعينهم. كذلك فأن استهلاك شخص إضافي من هذه السلعة أو الخدمة من المفروض ألا يقلل من استهلاك الآخرين ومن ثم لا يمكن استبعاد شخص من الاستمتاع بمنافع هذه السلعة أو الخدمة طالما تم انتاجها وسواء دفع لها أو لم يدفع. وهكذا، يفشل القطاع الخاص في وضع سعر للسلعة أو أجبار الافراد على الدفع. ولذلك تنصب مهمة توفير وإنتاج هذه السلع والخدمات على الحكومة فقط لأن محاولات القطاع الخاص لتوفيرها أو انتاجها تفشل وتصبح غير عملية تماما.
أما السلع والخدمات الخاصة فهي تتمتع بخصائص مناقضة تماما لخصائص السلعة العامة. فالسلع الخاصة تتميز بأن استهلاكها منفرد. هذا يعني أنك تستهلك السلعة أو الخدمة الخاصة وحدك ومن ثم حين تستهلك السلعة فأنك تجعلها تختفي (لا يستطيع الأخرون استهلاكها في نفس الوقت)؛ أيضا الخاصية المهمة لهذه السلعة أنك لابد لك وأن تدفع ثمنا لها فإذا كنت تنوى عدم الدفع فتوقع مالا تحمد عقباه. أي أنه يمكن لمنتج السلعة أن يستبعدك من استهلاكها على أقل تقدير. معظم السلع والخدمات في السوق تندرج تحت هذا المسمى مثل المواد الغذائية والملابس والمساكن، والأجهزة المنزلية، والسيارات، قص الشعر وزيارة الأطباء وتصليح السيارات...الخ. هذه هي السلع التي يجب أن ينتجها ويعرضها القطاع الخاص.
لا يلزم في هذه الحالة أن تقوم الحكومة بإنتاج السلع أو الخدمات الخاصة ويجب أن تركز فقط على السلع والخدمات العامة.
أخيرا السلع أو الخدمات شبه العامة (المستحقة) مثل خدمات التعليم والخدمات الصحية والطرق والجسور والكباري وما في حكمهم تعتبر أمثلة جيدة لمثل هذه السلع التي تمتلك معظم الصفات من السلع الخاصة وبعض من صفات السلع العامة. وبالتالي، إذا ترك الأمر للقطاع الخاص فقط في انتاج وعرض هذه السلع والخدمات فسوف يحدث قصور في امداد المجتمع بالكميات اللازمة أو المثلى من مثل هذه السلع. تخيل لو كان لدينا فقط المدارس الخاصة والكليات الخاصة والمستشفيات الخاصة والطرق ذات الرسوم. كيف سيكون الحال؟ لا شك أن جزء كبير من الشعب لن يحصل على هذه الخدمات المستحقة أو لن يحصل عليها بالشكل الكافي. ومن ثم المنطق الاقتصادي يقول ان على الحكومة ان تدعم انتاج أو استهلاك هذه السلع حتى يتم التساوي بين الكلفة الاقتصادية والمنفعة الاجتماعية من هذه السلع. لذا فانه من غير المستغرب في أعتى النظم الرأسمالية ان تقوم الدولة بأنشاء المدارس الحكومية والمستشفيات العامة وتدعم المنتج أحيانا لتوريد كميات اكبر أو تدعم المستهلك أحيانا أخرى للحصول على الكميات التي يطلبها من مثل هذه السلع والخدمات.
وهكذا، فإن الإدارة الناجحة للاقتصاد تتطلب أن الحكومة لا تتدخل في دور القطاع الخاص وترك توفير السلع خاصة إلى شركات القطاع الخاص. أيضا والأهم من ذلك، يجب على الحكومة أن تأخذ على عاتقها مسؤولية توفير السلع العامة. كما يجب أن تتأكد من أن إنتاج السلع شبه العامة (المستحقة) يتم تدعيمه بما يحقق الكفاية من حيث الكمية والنوعية.
كيف أصبحت بعض السلع العامة خاصة والسلع الخاصة عامة في نظر حكومات بعض دول المنطقة هذا ما سيتم شرحه من خلال المقالة القادمة.

بقلم : حسن يوسف علي

حسن يوسف علي