كتاب وأراء

كلمات أتمنى اختفاءها من لغتنا

.. وأنا لا أتـحدث هنا عن الكلمات العامية التي يستعملها الناس بكثرة.. ولا الكلمات المعربة أو المنحوتة أو التي نعتقد أنها عامية في حين أنها فصحى (مثل إيـش وبزروه وزقاق وشويه).. بــل عن الكلمات السطحية والقذرة والمغرقة في هبوطها.. عن الكلمات التي تتضمن شتيمة أو تحقيرا أو تشبيهات لا تليق بأحد.. كلمات يصعب ذكر معظمها في هذا المقال ومع هذا نسمعها بكثرة في بيوتنا ومجالسنا الخاصة..
أنا شخصيا أتمنى اختفاء كلمات مثل (قحروطي) و(بـويـا) و(مصرقع) و(مزمزة) و(طقطقة) و(بربسة) و(جحلوطي) و(سلنتح) و(رويبضه).. أتمنى أن تختفي من قواميس الجيل التالي شتائم دينية وأيدلوجية ورثناها من عصر الصحوة مثل (رافضي) و(رجعي) و(خارجي) و(سروري) و(ليبرالي) و(إخونجي)..
وبالطبع لا الأمنيات ولا القواميس يمكنها إلغـاء هذه الكلمات بشكل حاسم وفوري.. فهي نتاج الثقافة التي تقف خلفها ــ وبالتالي ــ يجب تغيير الثقافة قـبل الكلمات والأوصاف..
وحتى حين ننجح في ذلك لا يضمن أحد اختفاء الظاهرة كلها كونها حالة إنسانية نلاحظها في كافة المجتمعات العالمية ـــ الأمر الذي جعل الشعوب المتقدمة تعزلها في قواميس خاصة بها...
فـالدول الناطقة بالانجليزية مثلا تملك قواميس خاصة بالشتائم والكلمات الهابطة التي (يفترض) عـدم استعمالها.. ففي كل عام تصدر محطة BBC البريطانية، وصحيفة النيويورك تايمز، وجامعة ميتشغان قائمة بالكلمات السيئة التي تتمنى اختفاءها من الوجود..
ومن أشهر الكلمات التي طلبت جامعة ميتشغان بنبذهـا في عـام 2015:
FOODIE وBAE وBOESSY وCURATED وCRA-CRA وYAAASSSSS وOBVI وKALE
والحقيقة هي أنني شخصيا لا أعرف معاني هذه الكلمات (ربما باستثناء الأولى التي تطلق على عشاق الطعام، والأخيرة التي تعني كرنب ولكنها تحولت إلى شتيمة تطلق على النساء البدينات) كما لم أعثر على معانيها في قواميس اللغة الرصينة الأمر الذي يؤكد إما حداثتها أو سطحيتها أو انخفاض مستواها لدرجة عدم قبولها في أي قاموس..
أيضا يصدر في بريطانيا وألمانيا وفرنسا معجم سنوي يضم آخر الشتائم وكلمات الشوارع والانتقادات الجارحة في السياسة والإعلام (ويمكن للمهتمين رؤية أسوأ الكلمات من خلال وضع اسم اللغة مع الجملة التالية في جوجل: MOST OFFENSIVE AND SLANG WORDS)..
أيضا هناك كلمات قـد لا تكون بذيئة بذاتها ولكنها تخالف قواعد اللغة السليمة لـدرجة المطالبة بحذفها (أكثر من مرة) من قـواميس اللغة ووسائل الإعلام:
فهناك مثلا كلمة BASICALLY التي تعني «أساسا» ولكن الناس في أميركا أصبحوا يحشرونها بلا داع في أي محادثة (فقد تسأل أحدهم أين تعمل؟ فيجيبك: أساسا في شركة فورد قبل أن انتقل أساسا إلى جوجل)!
وهناك أيضا VERY UNIQUE حيث تعـني الأولى «جدا» في حين تعني الثانية «فريد» وبالتالي لا يجوز الجمع بين الكثرة والتفرد (ويمكن القول الشيء نفسه عن استعمالنا نحن لكلمتي: فـريد.. جدا)!
وهناك أيضا THE BOTTOM LINE التي تعني في الأصل (الخط السفلي) ولكنها أصبحت تشير إلى العنصر الأساسي أو أرباح وخسائر الشركات بلا تمييز...
أعـود إلى لغتنا العربية وأشير إلى أن أجدادنا وضعوا قواميس جميلة في مجالات فريدة (مثل معجم غريب القرآن للسدوسي، وما تبقى من الأشياء للعسكري، والأوائل في الأشياء لمحمد الشبلي، ومعجم ما استعجم لأبي عبدالله البكري)..
وبناء عليه؛ ما الذي يمنعنا هذه الأيام من إصدار قاموس خاص بالكلمات العامية أو الهابطة أو (التي يفترض) حذفها من لغتنا العـربية..
تأمل معي مجددا الكلمات التي أوردتها في مقدمة المقال، وأخبرني أنت عما يماثلها وتتمنى اختفاءها من كـلامـنا هـذه الأيــام.

بقلم : فهد عامر الأحمدي

فهد عامر الاحمدي