كتاب وأراء

الواقفون على أبواب النجاح (2)



من أكثر ما يُثير الحيرة أن تصبح الشهرة المعيار لقياس مستوى نجاح - مَا-، فكلما حقق شخصٌ ما قاعدة عريضة من المعارف والمعجبين، عدّ نفسه ناجِحًا حتى لو كان ما يقدّمه بمثابة خروج عن ثوابت المجتمع وقيمه، وإن تعدى ذلك بأن يشكَّل فضيحة وعارا على المجتمع بشكل عام أو أسرته بشكل خاص. ولعل الجمهور الكريم بتصرفاته اللا إراديّة، هو المتسبب في انتشار نماذج مكررة من هذه الفئات، وذلك عن طريق تسليط الضوء عليهم والحديث عنهم في المجالس الخاصة والعامة، ومتابعتهم على مواقع التواصل الاجتماعي.. إلخ، ويزيد الأمر سوءًا تداول بعض وسائل الإعلام المرئية والمسموعة لقضاياهم بطريقة تزيد من الالتفاف حولهم وإبرازهم كقضية الساعة. وذلك بطبيعة الحال سيدفع بالأطفال والمراهقين وحتى البالغين إلى ارتكاب هفوات أدهى وأمر، وتَقَصُّد بعض التصرفات غير المرحب بها؛ سعيًّا لتحقيق شهرة مبنيّة على جناح مكسور وأساس هشٍ وضعيف.

ولعل مقاطعة أو تجاهل أمثال هؤلاء مجتمعيًّا من أنجع الأساليب؛ لتفادي التصرفات الشاذة والممقوتة، ولمنح مساحة كافية للناجحين الحقيقيين، فالساحة حقيقةً تكتظ بهم، رغم ضعف الدعم الإعلامي والمجتمعي لهم. وحتى لا يتوارون أو يختفون؛ تكاسُلًا، أو بسبب ضعف الإقبال عليهم، وسوء تقدير جهودهم. وحتى يعطي المجتمع كلّ ذي حقٍ حقه من التكريم والاهتمام. وليُأكدوا أن الناس ما زالوا قادرين على التمييز بين النجاح الحقيقي والمزيف، وبين من لديه أو يستطيع أن يقدّم شيئًا يستحق الاعتناء وبين من هم في الأصل لا شيء.

وهناك أيضًا ممن يقفون على عتبة باب النجاح، ليس لأنهم لم يبذلوا جهدًا أو لم يبلغوا مرادهم أو لم ينجحوا، أو لم يحققوا أهدافهم، لا، إنهم لا يعدّون أنفسهم ناجحين رغم كل ما حققوه؛ بسبب انعدام الثقة في النفس وانتظار تقييم الآخرين أو شهادة المجتمع لهم. في حين أنهم ليسوا بحاجة إلى كل ذلك. فكثيرٌ من الأعمال العظيمة لم تُعرف ولم يُعرف أصحابها إلا في أواخر حياتهم أو بعد سنوات من وفاتهم، المهم هو السعي نحو الإنجاز الذي يُخلّد. والعمل الذي يُفيْد، وأن يعمل الإنسان ما ترنو إليه نفسه وتتوق، ولا يُقاس النجاح بكم النّاس الذي يعرفون عنه، بل بقدر أهمية العمل نفسه، ويسبق ذلك إيمان صاحبه به.

ومن النقاط التي تستوقف الباحثين عن النجاح، أنهم يقفون ما يقارب نصف أعمارهم أو يزيد، يراقبون الناجحين، يتابعون أخبارهم، يتحمسون لهم، ويدعون لهم، يشجعونهم، يراسلونهم، وحين تسألهم، بعد كل هذا الإنجاز العظيم في دعم الناجحين، أين وصلتم؟! يجيبون ما زلنا واقفين على أبواب النجاح، ما زلنا نتعلم كيف ننجح من هؤلاء، ما زلنا ندرس طرقهم ومناهجهم، ولعل ما قاله الكاتب عبد الله المغلوث: «إن النجاح لا يحتاج إلى أَقدام بل إلى إِقدام»، هو ما يحتاجه هؤلاء للانتباه وشق طريق نجاحهم بطريقة مستقلة وصحيحة. وليؤمنوا أن عليهم البدء والمحاولة والتجربة؛ ليحققوا أهدافهم وليصبحوا ما يريدون، إنما التصفيق للناجحين لن يجعلهم بالضرورة ناجحين.

ومن المهم أن نشير في الختام، أن آلية الوصول إلى نجاحٍ بعينه، بتعدد أنواعه وأشكاله وصفاته، يحتاج مجهودًا رياضيًّا أو فكريًّا أو ثقافيًّا معرفيًّا أو استعراضيًّا.. إلخ، لأن الجميع يُدرك أن السماء لا تمطر ذهبًا ولا فضّة. كما أن للنجاح رجاله ونساءه، وليس كل من ادعى النجاح ناجحا ولو حُلّف من أجله ألف قاضٍ.

بقلم : زهرة بنت سعيد القايدي

زهرة بنت سعيد القايدي