كتاب وأراء

الإنسان الافتراضي

هل لايزال الإنسان واقعاً فعلياً، ليس كوجود وإنما كمعنى لهذا الوجود؟ أنظر لمن حولي في المجلس لا أرى سوى رؤوس تنظر في الموبايلات، نسافر ونزور أحلى المناطق الطبيعية في العالم، لكي نلتقط لها صوراً ونبعثها إلى من نعرف عن طريق الواتس أب، لا نشعر بعظمتها ولا نتأمل وجودها، إنسان التأمل اختفى أمام إنسان الانطباع أو «النيجاتيف» في السابق كنا نقرأ المقالات لكبار الكتاب، اليوم تغرق في بحر «تويتر» وتنشأ الحروب لتغريده لا يستطيع صاحبها أن يكتب حتى مقالاً متواضعاً.. تذهب إلى المقهى تلقى السلام، لا يرد عليك سوى من لم تسعفه بطارية تلفونه عن الاستمرار لتلك اللحظة، تعيش غربة تقنية تخرجك من طورك.. ثقافة الانستغرام تصيغ واقعاً جديداً، لا علاقة له بكتب التاريخ ولا بمصادره، إنها المخزون الفردي لما يحتفظه الإنسان في خزانته ليشكل منه تاريخاً بوضعه في الانستغرام ويضفي عليه القداسة التاريخية بتعليقاته وردوده.. إشكاليتنا كما أراها أننا نعيش الافتراض قبل قدرتنا على صياغة الواقع، بعكس ما حدث عند الغير، نحن لم نتحقق واقعياً كشعوب تمتلك واقعها أو تنتجه، لا نمتلك ثقافة الحوار قبل حياتنا الافتراضية هذه فجاء حوارنا فيها شتائم وتكفير ودعوات للقتل، لم نأنس إلى الطبيعة ونتأملها وإنما التقطنا لها صوراً ولاتزال الصحراء الجدباء تعشش داخل نفوسنا، لا نجيد ثقافة الائتلاف والتوافق فاشترينا متابعين بالآلاف، الجميع يجد ضالته في الحياة الافتراضية، من يخاف الحوار، من عنده فوبيا الاجتماع، من يريد نشر ثقافة النفاق، عندما تستيقظ من نومك لا تجد ولا تبحث إلا عن هاتفك، تنظر فيه، يتولى برمجتك طوال اليوم، لا تعيش النقاء ولا الصفاء، لأنك لم تعد تعيش إنسانيتك إلا بقدر ما يمليه عليك العالم الافتراضي من حولك.. السؤال الآن كيف سيكون وضعنا مستقبلاً؟ ما وضع العلاقات الإنسانية، تنبه علماء مدرسة فرانكفورت منذ خمسين عاماً لذلك وتكلموا عن إنسان البعد الواحد الذي سيسود نظراً لغلبة التقنية على الإنسان هذا عندهم في أوروبا منتجي التقنية أما عندنا، فإن الإنسان الافتراضي الذي لا يحمل أي بعد سوى افتراضيته أنه موجود لكن دون أثر أو إثبات أنه كذلك.

بقلم : عبدالعزيز الخاطر

عبدالعزيز محمد الخاطر