كتاب وأراء

عن الاعتياد على اللا معقول وثقافة معاداة الفطرة

المعقول عند البعض قد يكون الجنون بعينه عند البعض الآخر. كثير من الأغنياء مثلاً قد يرون إقامة أسرة كاملة في بيت ضيق مسألة غير معقولة. أما أكثر الفقراء فيتمنون أن يبتسم لهم الحظ لينتقلوا بكل أفراد أسرتهم للعيش ولو في غرفة صغيرة. مثال آخر لنسبية المعقول يتمثل فيما يعتبر كافياً لمصروفات الفرد اليومية. فبينما يعتبر العيش بأقل من دولار ونصف يومياً أمراً غير معقول حتى بمعايير الأمم المتحدة.
إلا أن هذا المبلغ يعد في نظر مئات الملايين من الفقراء حلماً مترفاً. نموذج ثالث من عالم الملابس. فالأزياء التي تعتبرها بعض البنات معقولة تراها آخريات جنوناً وانتهاكاً. والأمثلة على نسبية المعقول و اللا معقول لا حصر لها.
لكن هناك مبادئ ومسائل وأشياء لا تعتبر في عين الكتلة الأعظم من الناس نسبية بل تكاد أن تكون مطلقة إما في رفضها أو قبولها. في معقوليتها أو لا معقوليتها. أمور تُعد بالفطرة خروجاً على المألوف. خذ مثلاً إلقاء القمامة في الشوارع. فهو سلوك تجمع الفطرة على أنه غير معقول مثلما تجمع على أن عدم توقيع الجزاء على من يفعله أمر آخر غير معقول. نزع أغطية بالوعات الصرف الصحي أو سرقة كابلات الكهرباء أو السير عكس الإتجاه أو الكلاب الضالة، أو النواب الأميون والإعلاميون الجهلاء أو إسناد مشروع لا تزيد قيمته عن مئات الألوف إلى شركة بعينها بعشرات الملايين، أو الصراع المجتمعي الجنوني الدائر في العراق واليمن وسوريا. كلها وكثير غيرها مجرد أمثلة تدلل ليس فقط على كثرة اللا معقول وإنما على إعتياد العيش معه برغم تناقضه مع الفطرة.
والفطرة السليمة لا يمكن أن تستمزج اللا معقول. فالكريه يبقى كريهاً مهما جرى تجميله. لكن شواهد كثيرة حولنا تؤكد أن بعض الناس لم يعد يتعايش مع اللا معقول تعايش المضطر وإنما تعايش الآلف المعتاد. البعض يصف دفع الرشاوي بغير المعقول لكنه يدفعها. ويعتبر الحروب الطائفية لعنة لكنه يخوضها. وإلقاء القمامة مخالفة لكنه يرتكبها. والبعض قد يكون بالفعل مضطراً. فمن لا يجد حاوية قمامة قد يرميها في أي مكان، ومن لا يقضى معاملته في النور قد يضطر لقضائها في الظلام. ومثل هذه السلوكيات باتت شائعة. لكن الشائع الأخطر منها هو الإعتياد على العيش باللا معقول ومع اللا معقول.
وقد حدث ذلك لتراخي سلطة القانون وضعف الرقابة إلى أن انغرست في مخيلة الناس قناعة بأن اللا معقول هو الأسلوب الأساسي للحياة وقضاء الحوائج. تقصير الدولة في وظيفتيها الرقابية والأخلاقية هو الذي جعل كل لا معقول يصول في حياتنا ويجول. بات كثير من الناس يقبلون اللا معقول بحجة أنه شائع مع أن الشائع ليس بالضرورة صحيح. لكن ذلك هو حال الوعي الأخلاقي العربي. وعي يتباسط مع الأخطاء ويتعايش مع الغرائب وألوان اللا معقول. من اللا معقول الجزئي إلى اللا معقول الكلي. من طفل يتبجح على كبار السن إلى وطن يجنح بطوائفه إلى العنف.
فشل الدولة هو الذي حمل الناس على التعايش مع اللا معقول والأخطر منه العيش باللا معقول. وإذا كان بعض الناس مرغم على العيش مع الخطأ إلا أن آخرين اعتادوا للأسف إدارة حياتهم كلها بالخطأ. والدولة هي المسئولة لأنها لا تحاسب مخطئ بصرامة على لا معقول فعله أو توجه غافل إلى خطورة لا معقول يعيش فيه. أجهزة الإدارة في حالات عربية مختلفة عززت ثقافة التعايش مع اللا معقول إما لأنها تساهلت مع الإسترخاء أو تراخت مع إنتهاك الذوق العام، أو لأنها باتت تنتج اللا معقول بنفسها وتسوقه من خلال فرض ضرائب غير معقولة أو وضع إشتراطات تعجيزية مهولة.
اللا معقول كارثة والإعتياد عليه كارثة أكبر. وليس من حائل يمنع تفاقم تلك الكارثة إلا سلطة قوية تستعيد لمنظومة الحس والبديهة مكانتها وتعيد للمعقول وزنه في الحيز العام. لكن المشكلة تبقى في أنه من غير المعقول أن يُطلب ممن لا يعرفون أن يقدموا ما لا يستطيعون. ولهذا فإن الحلول الجماعية ستبقى تتعثر. ولا بأس لهذا السبب من تشجيع الحلول الفردية. فكل إنسان يتعلم كيف يُميز بين معقول يجب التزامه ولا معقول يتعين رفضه إنما يضيف بتلقائية إلى الخير العام حتى لو ظل كثيرون من حوله يتبنون ثقافة تعارض الفطرة يتعايشون بها مع اللا معقول بل ويعيش بعضهم في ظلها حياته كلها باللا معقول.

بقلم : د. إبراهيم عرفات

د. إبراهيم عرفات