كتاب وأراء

ملاحظة في نهايات عبدالرحمن منيف

كتب عبدالرحمن منيف رواية البدايات في عام 1977م، ونشرت عام 1978م عن دار الآداب، ولقيت نجاحا ممتازا منذ لحظة ظهورها، وطبعت حتى عام 2004 إحدى عشرة طبعة، وكتب عنها الكثير من النقاد، حتى أن أحدهم «علي الراعي» وصفها بأنها رواية البادية بامتياز، ويقول عنها جبرا إبراهيم جبرا «إنها مرثية عميقة الأنغام للجنة التي بقيت حاضرة في أذهان القرية» وهي رواية جيدة بلا شك، وأضعها دائما ضمن اختياراتي عند السؤال عن الروايات الجميلة، وأنصح بقراءتها.
لكن، ولأن القارئ قد تختلف زاوية انتباهه لأمور لا تعتبر نقدية في الصميم، إنما لنقل إنها تركيبية أو منطقية داخل الرواية نفسها كان لي هذه الملاحظة على هفوة ارتكبها الكبير منيف أثناء بناء أحداث الحكاية داخل الرواية: ما الذي يجعل عبدالرحمن منيف يقول غير ما خطط له؟! أو أن يخطط ثم يتراجع عن التنفيذ لاحقا؟!
هل نستطيع اعتبار أن ذلك حدث سهوا، دون تخطيط، أو أنه تعثر فني، أم لعله انسياق وراء نهاية لمعت فجاءة، دون أن تكون متوافقة منطقيا مع حقيقة سردية كتبت في البداية؟!
أم نقول بدقة وشجاعة إن هذا حدث نتيجة خلل؟!. نعم، في الغالب، هذا خلل وقع فيه الكبير عبدالرحمن منيف، إذ أنه لم ينتبه أن بطل روايته (عساف) يتذكر حدثا في التوقيت الذي لم يكن فيه موجودا، فمن الواضح أن عساف مات، وأن المنيف كان يخطط ليبقيه حيا، ثم نسي ذلك لاحقا.. هو أبقاه حيا في الحكاية، بينما هو ميت، فبينما كان عساف حيا لفترة أطول وأبعد زمانيا من تلك الفترة التي اختار المنيف له أن يموت فيها، نجد أن هذا لم يحدث في الواقع. ما حدث أننا نجد عساف (أثناء السرد) يتذكر (في زمن لاحق، لم يُمكنه أو لم يوصله المنيف له، وهو الخلل الذي يحتاج لتبرير)، أقول نجده يتذكر (بينما كان ميتا في الأثناء) أحداث تلك الليلة التي مات في غدها مباشرة قال الراوي: (يتذكّر هو نفسه ويتذكّر كل مَن كان موجودًا، أنه لأول مرة في حياته، قرَّر أن يخوض معركة لم يخض مثلها من قبل) هو يتذكر هنا، يتذكر قرارا، لم يقل المنيف إنه كان (يشعر) إنه مُقبل على اتخاذ قرار، هو هنا يُخبر أنه يتذكر هذا الحدث لاحقا، ويقارن، في زمن لاحق.. أي يتذكر لاحقا، ويقارن لاحقا أيضا، بين معاركه السابقة وبين معركته تلك الليلة، ولاحقا هذا لم يحدث لعساف، أي أنه وفي ذلك التوقيت كان من المفترض (نظريا) أن يستمر في الحياة لأبعد من الغد، حتى يصل إلى مرحلة التذكر، وهو ما لم يؤصله المنيف إليه، حيث قرر له أن يموت وسط الصحراء والسوافي، وهذا ما يجعل السؤال مشروعا: متى قُدر لهذا (المطمور) أن يتذكر ما حدث له تلك الليلة. حتى الرموز تقع في الخلل أحيانا.

بقلم : ضيف فهد

ضيف فهد