كتاب وأراء

الشغل الشاغل لليابانيين هذه الأيام

د.عبدالله المدني

في سابقة هي الأولى من نوعها منذ مائتي عام في تاريخ العرش الإمبراطوري الياباني الذي توالى عليه 125 إمبراطورا منذ عام 585 قبل الميلاد، أعلن الإمبراطور أكيهيتو مؤخرا في رسالة صوتية مصورة إلى شعبه عن احتمال تخليه عن الحكم بسبب تجاوزه سن الثمانين، وبالتالي خشيته من تدهور صحته بصورة تعيق أداء مهامه كرمز للدولة.
ومنذ تلك اللحظة لم ينقطع انشغال اليابانيين بهذه المسألة، ليس لأنها دون سابقة فحسب، وإنما أيضا لعدم وجود قوانين تتضمن أحكاما لتنظيم عملية انتقال العرش لولي العهد الأمير ناروهيتو قبل وفاة الإمبراطور، الأمر الذي يستدعي تغيير قوانين البيت الإمبراطوري وهو ما لا يمكن حدوثه دون موافقة البرلمان.
والمعروف أن اليابانيين انشغلوا قبل سنوات من الآن بمسالة شبيهة هي احتمال انقراض الأسرة الإمبراطورية، وذلك لأن هناك خمسة فقط من المؤهلين لتبوء سدة العرش وهم بالترتيب: ولي العهد الأمير ناروهيتو (56 عاما)، وأخوه الأصغر الأمير أكيشينو(48 عاما)، وابن الأخير الأمير هيساهيتو (7 سنوات)، والشقيق الأصغر للإمبراطور الحالي الأمير هيتاشي (78)، والأخ الرابع للأخير الأمير ميكاسا نوميا (98).
فإذا ما علمنا أنه من المحال أن يصل العرش إلى الأميرين الأخيرين بسبب تقدمهما في العمر، أو أن ينجب ولي العهد أطفالا جددا للسبب ذاته، فإن المسألة بالفعل مدعاة لقلق اليابانيين.
والمعروف أن نساء العائلة الامبراطورية مستبعدات من العرش، بل يفقدن الصفة الإمبراطورية بمجرد زواجهن من خارج العائلة، ناهيك عن أن قوانين القصر الامبراطوري لزمن ما بعد الحرب العالمية الثانية استبعدت أيضا النسل غير الشرعي لأباطرة اليابان من تولي العرش، من بعد أن كان ذلك متاحا لقرون طويلة بدليل أن نصف أباطرة البلاد كانوا من الذين ولدوا خارج إطار الزواج، بمن فيهم الإمبراطور الأشهر ميجي.
في 2005 كشف استطلاع للرأي أن حوالي 80 % ممن استطلعت آراؤهم لا يمانعون من وجود إمبراطورة لليابان، لكن هناك الكثيرون ممن يتمسكون بمبدأ أن وجود السلالة الذكورية هي التي تحفظ كرامة الأسرة الإمبراطورية وتحافظ على التقاليد المتوارثة، وبالتالي فهم ضد أي تغيير.. وممن يتمسكون بالرأي الأخير رئيس الحكومة الحالي شينزو أبي، مخالفا بذلك رغبة الإمبراطور أكيهيتو الذي يـُقال إنه لا يمانع من تولى إناث العائلة العرش الياباني، خصوصا وأنه خلال عشرة عهود في تاريخ البلاد القديم جلست إناث على العرش، كن جميعهن نساء عازبات من نسل أباطرة ذكور مدافعين عن الخلافة الذكورية، وإن كانت بعض الظروف الخاصة وقتذاك فرضت نفسها مثل الحيلولة دون احتدام الصراعات السياسية، أو وجود ولي العهد الذكر في سن الرضاعة.
ومما يجدر بنا ذكره هنا هو أن رئيس الحكومة اليابانية الأسبق «جونيتشيرو كويزومي» الذي عــُرف بسياساته الإصلاحية الجريئة، تلقف نتائج استطلاع الرأي المشار إليه آنفا، وضمها إلى توصية صادرة من المجلس الاستشاري لقانون القصر الإمبراطوري، واقترح الأخذ بمبدأ البكورة بغض النظر عن الجنس، وهو ما كان يعني الموافقة على تولي النساء عرش اليابان شريطة ولادتهن من نسل إمبراطور وإمبراطورة حاكمين مثل حفيدات الإمبراطور الحالي الثلاث وهن: الأميرة أيكو ابنة ولي العهد، والأميرتان ماكو وكاكو ابنتا الأمير أكيشينو شقيق ولي العهد، لكن خروج حزب كويزومي المفاجئ من الحكم عصف بكل الترتيبات.
كما أن الجدل المثار في حينه توقف مؤقتا بعد أن رزقت العائلة الإمبراطورية في 2006 بأول مولود ذكر منذ 41 عاما وهو الأمير هيساهيتو ابن شقيق ولي العهد، والذي يعتبر اليوم الأمل الوحيد في منع انقراض العائلة الإمبراطورية إذا ما تزوج وأنجب بنينا.
وتصف الأدبيات اليابانية الأميرة كاكو (22 عاما) بمعبودة الجماهير بسبب ثقافتها وبساطتها وقربها من الناس، بل وتذكرهم بجدتها الإمبراطورة الحالية ميتشيكو التي تزوجها أكيهيتو في 1958، فكان ذلك حدثا استثنائيا في تاريخ البيت الإمبراطوري لأنها كانت المرة الأولى التي يتخذ فيها إمبراطور ياباني امرأة من عامة الشعب كزوجة شرعية له، وقد تبعه في ذلك ولي عهده الذي اختار أيضا زوجة من عامة الشعب هي الأميرة ماساكو التي كتبت وسائل الإعلام في 2006 عن إصابتها بأزمة نفسية كنتيجة لتزايد الضغوط عليها لإنجاب طفل ذكر.

د. عبدالله المدني