كتاب وأراء

الهدية.. الهدية

ذكر أبو حاتم محمد الدرامي (ت: 354هـ) في كتابه، روضة العقلاء ونزهة الفضلاء: «أَنْبَأَنَا الليث قَالَ: سمعت عَبْد الملك بْن رفاعة الفهمي يقول: الهدية هي السحر الظاهر..»، ثم قال: «وأنشدني الكريزي:

إنَّ الهَـــدِيَّةَ حُــــــــــــــــــــــــــلْوَةٌ كالسِّحْرِ تَجْتَلِب القُلُوبَا

تُدْنِي البَعِيْدَ مِنَ الهَـــــــوَى حَتَّى تُصَـيَّرَهُ قَرِيْبَـــــاً

وَتُعِيْدُ مُضْطَغِن العَدَاوَةِ بَعْدَ نَفْــرَتِهِ حَــــبـِيْــبَاً

تَنْفِي السَّخِيْمَةَ مِنْ ذَوِي الشَّحْنَاءِ وتَمْتَحِق الذُنُوْبَ»

وصدق الشاعر في قوله، فمع الهديّة، يشرق التآلف، والتصالح، والتسامح، وتدّق المحبة، والمودة أبوابها، فتقرّب البعيد، وتقوّي من معزة القريب. إذًا هي مُفتاح سحرّي للقلوب المغلقة، والابتسامة العابسة، والعيون الحزينة، وحريٌّ بها أن تُستخدم لإذابة العوائق والمشاكل والسدود بين النفوس البشريّة.

إلا أن ما يُؤسفُ له، استخدام الهديّة والتي ترتبط بالنية الطيبة والأهداف النبيلة، بأسلوبُ مُنفّر، فيه قهرٌ واستفزاز، أو احتقارٌ وازدراءٌ، وأحيانًا أخرى، مَن وتكبّر على المُهدى إليه، كأن يُلمّح المُهدي بأسلوب همجيّ وقح، أن الهدية ليست من مستوى المهدى إليه، أو يُصرّح بما يفيد أنه لن يَحلُم بالحصول على مثلها، ما بَقِيَ حيًّا. أو لإظهار قدرته المادية مُتقصِّدًا التذكير بضعف المستوى المادي أو الاجتماعي للمُهدى إليه. أو التنبيه بالاشتراطات حول رغبته الحصول على هديّة لا تقل عن مستوى ما يُهدي هو. ومنهم من يستخدمها سلًاحًا في العمل، مع مسؤوليه أو زملائه؛ لاستمالتهم، أو للتغطية على انتهاكاته – «تسكيته»- أو ترقيته دون وجه حق.

في الجانب الآخر، يضع بعض الأشخاص اشتراطات غريبة على نوع الهدية، وصفتها، وقيمتها، حتى تُعجبهم، وكأنهم هم من يصرفون لشرائها، بل يضع البعض معايير غير مُبررة لسعر الهدية التي تأتيهم من شخص ما على اعتبارات تتعلق بمستواه المادي! فإذا كان الشخص غنيًّا ومقتدرًا ماديًّا، أصبح مجبرًا أن تكون ميزانية الهدية لا تقل عن كذا من الريالات.

وكثيرٌ ما تُرصد بعض الإشكاليّات والتوترات في مجتمعاتنا، سواء بين الأصدقاء أو الأزواج بسبب تحسس أحد الطرفين من فئة وقيمة الهديّة التي تلقّاها. فالورود مثلًا، لم تعد كافية - لدى البعض- لتعبر عن حُب الزوج الثري أو الفقير لزوجته، إذ أصبحت بعضهن، تشترط الحصول على المبيت ليلة في فندق فاخر، أو السفر إلى إحدى الجزر الرومانسية، أو شراء عقد باهظ، أو ساعة ثمينة.. إلخ، ويحدث ذلك أيضًا بين الأصدقاء، أو الصديقات، مما يُفقد الهدف المعنوي من الهدية قيمتها، وأيضا، تُصبح الهدية سببًا لسد الشهيّة والخلافات، بسبب المبالغات، والتكلف دون الحاجة لذلك. فإهداء الزوج زوجته ساعة تتجاوز ميزانيته من أجل إرضاء غرورها ورغبتها في إغاظة زميلاتها، ستحول ابتسامته الكاذبة، إلى دموع وبراكين هائجة نهاية الشهر؛ بسبب راتبه الذي تبخّر.

والمؤسف أن هذه النظرة المادية للهدية، بدأت تلحق طلاب وطالبات المدارس، فباتوا يرهقون ميزانيات والديهم، من أجل المفاخرة أمام بقية المراهقين من الزملاء والمهووسين بداء المظاهر، ليتبجحوا «بهديتي الأغلى والأجمل».. إلخ، والوالدان، دون وعي ينقادان ويوثّقان تلك المفاهيم العرجاء والصماء، في نفوس أبنائهما، خطًأ.

في كل شيء «لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها»، حتى الهدية، التي جُعلت وسيلة للتقارب، لا للتشاحن والتباغض. وقد ورد أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «نِعْمَ الْفَائِدَةُ لِلْعَبْدِ، وَنِعْمَ الْهَدِيَّةُ الْكَلِمَةُ مِنْ كَلَامِ الْحِكْمَةِ يَسْمَعُهَا الرَّجُلُ فَيَلْتَوِي عَلَيْهَا حَتَّى يُهْدِيَهَا إِلَى أَخِيهِ الْمُسْلِمِ». فإذا كانت الكلمة الطيبة، والنصيحة، عدّها النبي الكريم هديّة، فكيف بالوردة أو قطعة الحلوى، أو مبلغ مالي، أو عقد جميل.. إلخ. يبدو أنَّ علينا إعادة الموازين؛ لنعيد للهدية قيمتها الحقيقة.



بقلم : زهرة بنت سعيد القايدي

زهرة بنت سعيد القايدي