كتاب وأراء

شكراً دوحة العرب قطر ودبلوماسية الفعل والحكمة


- 1 -
أيام قلائل وتستقبل الخرطوم صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير دولة قطر.
كان المخطط أن تتم الزيارة في وقت سابق لكن ظروف وارتباطات خاصة بسمو الأمير تسببت في التأجيل. تأتي هذه الزيارة واتفاقية الدوحة قد استكملت أهم مراحلها بانتهاء أجل السلطة الانتقالية، وأنجزت أهم ملفاتها الأساسية.
دارفور الآن ليست دارفور قبل الوثيقة، لم تعد هنالك معارك عسكرية ولا احتقان سياسي واجتماعي مثل الذي كان قبل أن تضع الدوحة أهل المصلحة في مواجهة واجباتهم تجاه تحقيق السلم والاستقرار. أكبر إنجاز حققته اتفاقية الدوحة؛ تغيير حالة إقليم دارفور من ثقافة الحرب والاقتتال إلى ثقافة السلم والتسامح، لم يعد للبندقية سوق ولا لشعارات الغبن والتهميش رواج، وأصبح شر التمرد في دوائر ضيقة جدًا.
- 2 -
زيارة سمو الشيخ تميم للمشاركة في ختام أجل السلطة الانتقالية، توضح بجلاء أن دولة قطر ظلت على ذات حماس البدايات، لم يفتر اهتمامها أو يلين عزمها، رغم كثير من المكدرات والمواقف، كان يمكن أن تتسبب في سحب يديها من الملف.
وثيقة الدوحة لم تكن صفقة لتوزيع المناصب والامتيازات، ولا اتفاقاً بين سياسيِّين على ترسيم مناطق النفوذ، ولا مشاريع مبانٍ وخدمات، تسقي الصحراء وتضيء القرى.
هي مشروعٌ مُتكاملٌ للسلام والتنمية، يُؤسِّس لثقافة الاستقرار وقبول الآخر ونبذ ثقافة الاحتراب.
الصور التي تناقلتها وكالات الأنباء لسعادة أحمد بن عبد الله آل محمود نائب رئيس الوزراء القطري وهو يجلس بصبر وحكمة على الأرض مع المواطنين في معسكرات النزوح بدارفور مثلت أهم عمليات الاختراق في قضية معقدة ومحتقنة بالغبائن والمرارات.
- 3 -
بعد اشتعال الحرب وركوب الجميع قطار الجنون، لم يكن هناك أكثر إضراراً بدارفور من مبادرات السلام التي جعلت من الإقليم سوقاً كبيراً للمزايدات والمساومات ومحاصصة المناصب.
دولة قطر ظلت الداعم الأكبر للسودان في المحافل الإقليمية والدولية وجهودها لا تزال متواصلة ومستمرة لتحقيق الاستقرار في السودان من خلال العديد من المبادرات إلى جانب جهودها في مجالات التنمية والخدمات والسياحة والأعمال الخيرية في مختلف أنحاء السودان.
ظل الشيخ تميم يقول في كل مناسبة إن دعم قطر للسودان واجب تمليه العلاقات الأخوية بين البلدين، مؤكدًا استعداد قطر لتعزيز هذه العلائق وتطويرها لمصلحة الشعبين الشقيقين معلنًا عن تنفيذ استثمارات إضافية في السودان.
- 4 -
لقطر محبة وود في قلوب السودانيين، الأمر يتجاوز حسابات السياسة، وأرقام الاقتصاد والممالقات الدبلوماسية المدعومة بابتسامات البلاستيك. السودانيون مشاعرهم عزيزة عليهم لا يمنحونها إلا لمن يستحق، فمحبتهم لدولة قطر كلمة السر فيها أنها دولة قوية، بلا تعالٍ وغرور، وكريمة بلا منٍّ أو أذىً، ووفية لصداقاتها في السراء والضراء.
كل الدول الصديقة ومن بينها السودان تجد قطر إلى جوارها، في ظروف الشدة وعند العسر وأيام الضيق. كثيرة هي الدول التي تسرف في الحديث وإطلاق الوعود، ولكن قطر دولة لا تعرف الثرثرة والادعاءات العراض والسحب الكذوب التي تعد ولا تفي.
قطر الأفعال عندها أبلغ وأسبق من الأقوال، والأقوال في دبلوماسيتها على مقاس الصدق والأمانة، وفي حدود المعنى المراد، وكل شيء في موضعه بديع بلا تزيّد ولا مزاعم.
- 5 -
السودانيون وغيرهم ينظرون لقطر كأنموذج للوعي والحكمة السياسية في إحداث تغييرات في قيادة الدولة بهدوء وسلاسة، في وقت تتم فيه تلك التغييرات في المنطقة العربية والإفريقية عبر المؤامرات والدسائس والعنف الذي تزهق فيه أرواح الأبرياء من أجل مطامع المغامرين.
قطر دولة لم يصنعها التاريخ، ولكن هي التي تصنع التاريخ، أقدامها تقف على الحاضر بثبات، وعيناها تنظران للمستقبل بتحدٍّ وثقة في الغد.
بقلم : ضياء الدين بلال

ضياء الدين بلال