كتاب وأراء

ذلك الذي تريد

حُبّ الذات أمر فطري جُبلتْ عليه النفس البشرية، تقديرًا لأرواحنا وأجسادنا التي تسكننا ونْسكنها. ويدخل في إطارها، عدم إيذاء النفس، وتحصينها، وتعليمها، وتنافسها على فعل الخير.. إلخ، وحُبّ الذّات له مساحات واسعة، إيجابية، وطيبة، تسمو بالنفس وتسعى لتطّورها ورقيّها، ولا يجب أن يُربط ذهنيًا بالنرجسية والأنانية، وما يتبعها من أمراض الغرور والتعصب والحسد والغيرة والحقد وما والاها من الصفات المذمومة.
فحُب الذات الإيجابي، الفاعل، يساعدها في تجنب الخطأ، والتصرفات الساذجة، حتى لا تسمح للآخرين امتهانها أو إذلالها، ذلك الحب الذي يدفع النفس إلى الاجتهاد لتحقيق المجد الذاتي بالخروج من منطقة الراحة. أيضًا الابتعاد عن مخالطة السفهاء والأغبياء مما يصدّ النفس عن الاهتمام بشؤون الآخرين، من المحبطين، ممن يتزندقون على الأخلاق والمبادئ، ذلك الحب الذي يعاتب ويجادل ويقاضي ويحاكم ويجلد الذات قبل أن تلوح عصى الجلاد، ذلك الذي يعيش بضمير حيّ وقلبٍ مفعم بالإيمان والصدق.
يبني البعض؛ حُبًّا في ذواتهم وإخلاصًا وعرفانًا لها سقفَ توقعاتٍ عالٍ، مليئة بالوعود البراقة والأضواء الباهرة، ومنهم من يحقق مراده، فيصفق لها، ومنهم من يراجع سلسلة إخفاقاته فيذمّها، ومنهم بين بين، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء لكنه لا يزال يسعى للارتقاء والوصول إلى الأمنيات التي تُنادي «هذا أنا الذي أُريد». ولا أخال أحدهم أن ينافس في سَوق نفسه نحو الجحيم، أو يتمرغ فوق طين من الخسارة أو القذارة، فمن يُحبّ ذاته ينأ بها عن حضيض الهوان والذل والابتذال.
لكن كيف لإنسان أن يشعر بالرضا عن نفسه؟! فالأصل أن الإنسان دائمًا في صراع داخلي، بسبب تناوب الضمائر وتجادلها داخل كيانه، بين الأنا المليئة بالحب والأنا المليئة بالكراهية، وبين الآخر الذي تحوم حوله الشكوك أن يكون صديقًا للأنا أو عدوًّا لها، بين أن يصبح الإنسان (رائعًا) أو (مثاليًّا) أو (سويًّا) أو (منحطًّا) أو (ساذجًا) أو (أحمق).
يقول أحدهم: «ظننت أنني بحاجة لأن أخوض علاقة عاطفية مع أحدهم، حتى أشعر بالحُبّ؛ لكنني أدركت أنني بحاجة لأن أنجح، لأنْ أصبح سعيْدًا، لأن أحبّ نفسي، وأحقق آمالها في الحياة، طموحاتها التي تحلم بها قبل أن أبحث عن الحب مع أطراف أخرى».
فمنهم من يرى ذاته كاملة (والكمال لله) حين يتقلد صفة عالمٍ في العلوم الشرعية أو عالمٍ في اللغة أو الحساب أو العلوم الطبيعية أو الطب.. إلخ، ومنهم من يظنّ أنه بلغ ما يتمنى إذ يكون متعلمًا ماهرًا، أو رياضيًا بارعًا، أو موسيقيًّا فذًّا، أو راقصًا مرنًا، أو حيوانًا أليفًا.. تتعدد التوجهات في تحقيق الرضا عن الذات والشعور بتقبلها، تختلف حسب الثقافة والتعليم والبيئة والصحبة التي تساهم بطريقة أو بأخرى في تشكلها.
ومنهم من جعل أسمى طموحات حياته أن يتقوّى بالصبر وأن يقاوم وأن يبتهل بالصلاة والدعاء لينال الشفاء ويصبح إنسانًا سليمًا معافى، ومنهم من جعل تقويم اعوجاج شخصيته ذهنيًّا ومعنويًّا الهدف الأسمى حتى يتسامى، كما أن آخرين سخّروا طاقتهم في نحت أجسامهم أو بناء عضلاتهم، وجعلوه الهدف الذي إن تحقق تحولت حياتهم لنعيم.
تبقى تلك الرغبات في أن نكون (الذي نريد) أو (الإنسان الذي نتمنّى) حلمًا كبيرًا يعيش داخلنا، يبحث عن منفذ أو أرضٍ صلبة ليُصبح الحلم واقعًا، علينا السعي بعزيمة واستقلالية ومنافسة ذاتية حارّة في كل يوم، ومصير الصعاب أن تذوب ممهدةً طريق الوصول بنزاهة وكرامة.
وإن تقاعست عزيمتك لإسعاد ذاتك، قاتل من أجل أولئك الصادقين من حولك ممن وثقوا بك ومدّوا يد العون من أجل أن تُصبح ذلك الذي تُريد.

بقلم : زهرة بنت سعيد القايدي

زهرة بنت سعيد القايدي