كتاب وأراء

أول الحب

كنت أحسب أننا نعيش في مجتمع يبيح فقط للزوج استغلال قرينته.. ويُطالب الزوجة أن تنحو مع زوجها – وحده - منحى الصفة مع الموصوف.
ترفع بضمته، تكسر بقبضته، ثم ليتها تسكن متى سكن هو السكون الأبدي بوفاته.
لكن هالني حجم الطمع الذكوري في تعاطيه مع الأنثى وكم الاستغلال التي تُستغَله النساء في مجتمعات تشدقت بالدين.. ثم أبت أن تورث النساء الا المصاغ، لا الأرض.
فصدقاً، يتم استغلال النساء من شرائح عدة في المجتمع سواء، إخوة، أعمام وكثر من لئام يستترون برداء الأرحام.
هم يريدونها هكذا، ضعيفة علمياً، مادياً وبدنياً.. أو بحيز من القوة يسمح بخدمتهم وإمتاعهم، ليس إلا.
و المؤسف، أنه حتى الشعراء الذين أسرفوا في الإعراب عن هيامهم بالمرأة، اعترفوا أنهم يستخدمون النساء كشواحن لشحن ملكاتهم الشعرية ليس إلا.
يستفيدون من علاقاتهم بأي أنثى ليستقطروا معاني العشق من شهد مناحل معاناتهم في الحب!
لقد هالني ما كتبه الدمشقي نزار قباني:
ولست أحبك كي تتكاثر ذرّيتي
ولكن أحبك كي تتكاثر ذّرية الكلمات
ثم يأتي أسطورة الشعر «محمود درويش» ليسطر رائعته
«على هذه الأرض ما يستحق لحياة»
فيعدد أشياء تستحق أن نعيش من أجلها، منها: «أول الحب «لا كله.
فكم من شعراء زرعوا حباً غلولاً، ليثمروا ويحصدوا شعراً «بالفايظ» يتوجهم ملوكاً للضاد.
لقد اغتنموا النساء كسبي الروم، لكن في مخيلتهم،لإشعال قرائحهم الشعرية بنظم أخلد القصائد مضافاً إليها متع غير مكلفة!
هم لا يستهدفون حباً خالداً، لكن قصائد خالدة.
هم لا يأبهون لعلاقتهم بالمرأة، بل لمجدهم هم وليتحققوا هم.
وندر منهم من استخدم الشعر ليُعرب به ويعبُر به لقلب الحبيبة.
يعترفون أنهم انتقوا من الحب أوله اللذيذ، الشهي وقشوره البراقة، فيما هجروا لبه، مسؤولياته وتبعاته.. لرفضهم تحمل مشقة رعايته والعناية به.
فنزار، كغيره استثمروا المرأة لإثراء وإذكاء وتتويج ملكاتهم الشعرية.
محض استغلال للحبيبة لتفرز قرائحهم أبيات من الشعر.
كما يفضل صغارنا ما يعرف ب ال
TOPPPING OR ICING
أي القشطة التي نزين بها أعلى الكعكة، فيلتهمها الصغار كون طعم الأيسينج محض سكاكر وتسلية لذيذة وممتعة، وإن كان دون فائدة..على أنهم يتركون لب الكعكة الذي يحوي القمح والبيض والحليب المفيد.
كذلك الشعراء يريدون فقط أول الحب لأنه عصارة الشهوة، وخلاصة مسك المتع.
لكنهم يهربون وينأون عن علاقة حقيقية وحب مستدام ومسؤوليات زواج، بيت وأسرة، على أنها هي المفيدة للمجتمع ككل، لكنها مزعجة للشعراء.
هم يريدون حب تتكاثر فيه ذرية كلماتهم لا ذرية نسلهم الذي يخضعهم لأعباء.
فالشعراء يغتنمون من علاقاتهم من النساء باسم الحب، حتى لو على حساب سمعة المرأة.
لذلك حرم العرب في الجاهلية على الشاعر الزواج من ابنتهم لو قال فيها بيتا واحدا.. فقيس مُنع من ابنة عمه لأنه كتب فيها.
والعيب في ذلك، أن من يسمع تلك الأبيات، سيعتقد أن من كتب شعراً في امرأة، هو لا بد قد خبرها وأقام علاقة معها، لأنه «من ذاق عرف»، كما سيسهل الترويج لمقولة أن أهل الفتاة مجبرون على قبول الشاعر كزوج، لأن ابنتهم اخطأت معه فيجب سترها.. ما يجعل أهل الفتاة مصممين على رفض اقتران الشاعر بابنتهم حتى لو من أرحامهم، ليُعرف علنا براءة ابنتهم من تلكم الأبيات التي هي محض هلوسة في وادي عبقر.
صدق الله العظيم «والشعراء يتبعهم الغاوون»

بقلم : داليا الحديدي

داليا الحديدي