كتاب وأراء

من حالٍ إلى حال

يقول الشاعر:

دع المقادير تجري في أعنتها... ولا تنامنَّ إلا خـــــالي البالِ

ما بين غمضة عين وانتباهتها... يغير الله من حالٍ إلى حـالِ

هذان البيتان، يرددهما اليأس؛ ليشعل الأمل بين جنبات قلبه، ويقولها العزيز؛ لرفع معنويات عزيزه. وعادة ما يُردد الناس هذين البيتين من باب التفاؤل، والرجاء بأن يُغير الله الحال إلى أحسن حال، وأن يخرجهم من الضيق والحزن والكمد إلى سعة وسعادة وفرج. كما تُستخدمان للتعبير عن تَغيّر الحال إلى حال أردى أو أسوأ، وللتعبير أن كل شيء من الممكن أن يتغير في غمضة عين بإرادة الله سُبحانه!

ومع اليقين بالله تعالى وأن كل شيء بيده، وأنه على كل شيء قدير، وأنّه هو- جلّ وعلا- يقول للشيء كُن فيكُون، ينشغل بال البعض كل الانشغال، حين المرور بضائقة أو مشكلة أو مرض. وقد يصل البعض إلى مرحلة الشلل الفكري بسبب التوتر والقلق، ويُصابُ آخرون بالمرض من كثرة الهواجس والمبالغة في تصوّر حجم المشكلة وصعوبة حلها!

وما بين الادعاء بينهم وبين أنفسهم أنهم يثقون بالله وحده في حل مشكلاتهم، وأحزانهم، وهمومهم؛ لأنه- جلّ في علاه- لا يخيب رجاء عباده ودعواتهم، ومع ممارستهم للصلاة، والإلحاح بالدعاء، بجانب التوكل عليه بالتماس السبل الصحيحة لمعالجتها وتصحيح أسباب الإخفاق...إلخ، لا زالت قلوب بعضهم غير مستقرة، والنفوس مضطربة، خائفة، متشائمة، رغم اتباعهم سلسلة طويلة من الإجراءات الصحيحة التي ترسم سبيل التخلص من سوء الحال والوصول إلى حال أفضل. وكأنّ لا أمان لديهم ولا سند يسندهم، مع دعائهم ظاهرًا: يا الله يا الله يا الله، يا غيّاث المستغيثين أغثنا، إنا وكلنا أمرنا إليك، فأنتَ أقرب إلينا من حبل الوريد، لا تأخذك سنة ولا نوم. فأيَ توكلٍ على الله هذا؟

لفته: للأسف الشديد، يكرر البعض جهلًا سأجرب هذا الدعاء لعله ينفع، أو يسألون بعضهم من جرب الدعاء الفلاني، وهل فعلًا استجاب الله لكم؟! بينما من نحن في حاجة إليه ونقصده بالدعاء، يفهمنا بكل اللغات واللهجات دون تنميق أو زخرفة. يستجيب دعاءنا ما دام الدعاء بإرادة عازمة وثقة تامة، خالصًا، نقيًّا، صادقًا، لا إثم فيه.

إذًا، فالأصل بعد التوكل على الله واتخاذ الأسباب، ألّا «تنامن إلا خـــــالي البال»؛ لأنه من يتوكل على الله فهو حسبه، ذلك التوكل الذي لا تخالطه ظنون أو شكوك أو مخاوف، ذلك التوكل المرتبط بالتسليم الكامل مع الثقة المطلقة. ورد في حديث صحيح، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: «لو أنكم تتوكلون على الله تعالى حق توكله، لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصاً، وتروح بطانا».

والتوكل على الله لا يساوي الاعتماد على فلان من البشر أو سين من الأجهزة أو البرامج، حتى نخاف من الخذلان والتقصير والنكران، ومن جميل ما ذكر الشيخ عبد الحميد كشك- يرحمه الله-: «من اعتمد على غير الله ذل، ومن اعتمد على غير الله قل، ومن اعتمد على غير الله ضل، ومن اعتمد على غير الله ملّ، ومن اعتمد على الله فلا ذلّ ولا قلّ ولا ضلّ ولا ملّ».

ولعل ذلك التردد الذي يملأ قلوب بعضنا، من هواجس ما يخبئه المستقبل، يطمئن قلوبنا، ويجيبنا عليه قول أرحم الراحمين:أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (106) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ(107) [سورة البقرة].



بقلم : زهرة بنت سعيد القايدي

زهرة بنت سعيد القايدي