كتاب وأراء

طموحات الأكراد بين الأحلام وحقائق الواقع

أعادت معركة تركيا مع أكراد سوريا في جرابلس فتح ملف قديم مضى على أحداثه ما يزيد عن مائة عام عندما تم تقسيم إقليم كردستان بين 5دول، وكأن التاريخ يعيد نفسه ولكن بنسخة معدلة بفعل تغير الظروف والمعطيات.فالحلم الكردي بالاستقلال لم يتوقف، والرفض الدولي والإقليمي لهذا الحلم لم يتزحزح بوصة واحدة.
في كتابه الموسوعة عن الملل والنحل والأعراف يتعرض د. سعد الدين إبراهيم لتاريخ الأكراد باعتبارهم إحدى أبرز الأقليات في الوطن العربي. يقول: «لقد ظل إقليم كردستان إقليما واحدا اجتماعيا وثقافيا وحضاريا طوال فترة الإمبراطوريات الإسلامية بما فيها آخرها الإمبراطورية العثمانية، ولكن بانتهاء الحرب العالمية الأولى 1914-1918بدأ تاريخ المسار المأساوي للأكراد إلى يومنا هذا. فقد وقعت تركيا على اتفاقية سيفير مع الحلفاء وكان من بين بنودها ما يتعلق بكردستان حيث تضمنت إمكان منح الأكراد حكما ذاتيا ولكن في الواقع كان ذلك مجرد حبر على ورق، حيث لم تلتزم تركيا بشيء ولم يضغط الحلفاء في هذا الاتجاه. ومع سقوط الخلافة العثمانية 1922 ووصول الكماليون إلى الحكم نجح كمال أتاتورك في استعادة قوة الدولة التركية وتمكن من خلال اتفاقية لوزان 1923أن يعيد لتركيا كافة أراضيها (عدا الأقاليم العربية) ولم يرد في هذه الاتفاقية أي شيء يمت من قريب أو بعيد لحكم ذاتي أو غيره للأكراد، كما عاد التقسيم القديم لسايكس- بيكو1916 بتجزئة كردستان بين 5 وحدات سياسية في كل من الاتحاد السوفياتي السابق وإيران وتركيا والعراق وسوريا.
في تركيا لم يكن واردا في أي عصر من عصور الحكم بعد إقامة دولة أتاتورك مجرد الإشارة لمطلب الأكراد لأسباب تراها القيادة التركية لا نقاش فيها، منها أنها دولة وطنية كاملة التراب، ووضعت نظاما سياسيا يدمج الأكراد وغيرهم فيه بالأساليب الديمقراطية. ولكن درامية المشهد الكردي بدت أكثر وضوحا في تجارب أخرى غير الحالة التركية،فقد قامت في كردستان إيران جمهورية مهاباد الكردية بمساعدة السوفيات عام 1946 ولكنها لم تستمر لأكثر من عام لأن الشاه قام بقمعها بمساعدة من الولايات المتحدة وبريطانيا. بعدها لجأ الملا مصطفي البرزانى إلى موسكو طلبا للدعم، ثم تحول بعد مغادرة موسكو إلى التحالف مع شاه إيران!، ثم تخلت عنه إيران بعد اتفاقية شط العرب 1975. وكانت الحكومة العراقية قد شرعت في وضع تصور للحكم الذاتي للأكراد عام 1974 ومر الطرفان بمرحلة متوترة للغاية لم تؤدى بالطبع إلى تفعيل أي اتفاق، إلى أن وجد أكراد العراق أنفسهم في مرمى الأسلحة الكيماوية خلال عهد صدام.
إلا أن واقعية مسعود البرزانى قدمت حلا فريدا أنهت به مرحلة دامية لأكراد العراق وذلك بتعزيزه للحكم الذاتي إلى حد يفي بمتطلبات دولة دون أن ينفصل عن الدولة المركزية في بغداد. وما كان له أن يحقق ذلك لولا التغيير الكبير الذي طال النظام العراقي بعد الخلاص من صدام على يد القوات الأميركية. ولكن ما حسم الموقف هو أن البرزانى نحى جانبا مسألة الدولة الكردية الواحدة أو استقلال الأكراد وركز اهتمامه على بناء كيان سياسي قوى لأكراد العراق.
في حالة أكراد سوريا الراهنة خرج مشروعهم السياسي عن الثوابت والقدرة على التنفيذ. شكلوا تهديدا صريحا لتركيا لم يكن متصورا أن تقبله عندما تحركت قواتهم إلى غرب الفرات في جرابلس. ولم ينصاعوا لتعليمات واشنطن التي حذرتهم من الانتقال من الشرق إلى الغرب، واضطرت أن تتدخل ضدهم بجانب تركيا، لا لشيء سوى لأن أكراد سوريا تجاوزوا الخطوط الحمراء الموضوعة منذ سايكس – بيكو وما لحقها من تغييرات في وضعية المنطقة.. لقد وضح أن الحلم بالاستقلال لم يمت، ولكن التقدير السياسي للواقع وما يمكن تحقيقه شيء مختلف تماما، لأن الفيتو الدولي والإقليمي على نزعة الاستقلال لا يزال ساريا.

بقلم : عبدالعاطي محمد

عبدالعاطي محمد