كتاب وأراء

الفضائح العلنية

الفضيحة، حالَ اللفظ بالمصطلح تقفز أشكال هندسية في أذهاننا، مرتبطة بقضايا متعددة الأوجه والجوانب. منها يتصل بقضايا أخلاقية، وأسرية، واجتماعية، ودراسية، وعملية، وسياسية.. إلخ. ولا يمكن أن ترتبط الفضيحة بأي جوانب إيجابية سوى من قبل ناشرها المتَوَهِّم. فهي نقطة سوداء قاتمة، وإذا التصقت بأحدهم سرعان ما يصبح تاريخه مشوهًا. خاصة إذا كانت مساحة انتشارها واسعة، يسكن فيها سُكان سطحيون، يتنافسون على مشاركتها.

كما تقف هذه الكلمة في الضفة المعاكسة للستر، والتي تُعد من الأخلاقيات الجليلة التي يجب أن يتحلى بها كل مسلم؛ لما تحمله من المفاهيم الإنسانية، والتربوية، والأجر العظيم، فقد قال عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم: (.. من ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة). ومع يقيننا الدائم أن ستر الله ورحمته علينا وعلى عيوبنا وهفواتنا وتقصيرنا يفوق رحمتنا لأنفسنا، يتبجح البعض باستعراض هفوات وزلات غيرهم بقصد تام؛ لانتقاصهم وهزيمتهم وتقزيمهم أمام الآخرين. وأحيانًا جهلًا بالعواقب المرتبة على نشر بعضٍ من تلك الفضائح التي مصيرها أن تتأزم في ظل تعدد المستوى الديني والأخلاقي والمعرفي والثقافي لمستقبليها.

وبين أن نستر على مسلمٍ ونفضحه، حرب نفسية قاسية بين الأنا والآخر. فمع سعي الإنسان لتزيين صورته وتلميعها أمام الآخرين، تبقى صورة الآخر - بغض النظر عن قرابته- موضوعا مُتقبّل النقاش والثرثرة، بل لا يتوانى أن يلتقط له فيديو؛ ليفضحه أيّما فضيحة، أو يستفزه به أو يساومه عليه، دون أي اعتبارات لحديث النبي صلى الله عليه وسلم، حين قال: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) متفق عليه. ورغم أن الكثير يردد هذا الحديث على أنه مناشدة مجتمعية ورغبة عارمة للحفاظ على تماسك المجتمع وألفته، إلا أن الوسواس الخنّاس يُزيّن السعي لنشر الفضيحة على أنها عمل إنساني، تُسجل له البطولات؛ متخيّلًا نشرها الوسيلة الأنجع للقضاء عليها وتخويف المجتمع من الفعلة الشنعاء المؤذية والقبيحة.

الحقيقة، أنه عصر المعلومات، عصر السرعة في كل شيء، حتى في نشر الفضائح. في السابق، كانت الفضيحة تنتشر بالمشافهة، يتلقاها الناس كالفاجعة، ويصبح فاعلها في عداد الموتى والمفقودين نفسيًّا ومعنويًّا، رغم ضيق مساحة انتشارها. الآن مع التطور التكنولوجي، وتعدد برامج التواصل والتقاطع الاجتماعي، أصبحت الفضيحة تسبب سكتة قلبية لكثير من ذوي المفضوح. فالكاميرات في متناول الطفل والمراهق والبالغ وبين هؤلاء: السفيه والحكيم، العاقل والمجنون. ورغم انتشار التعليم والوعي الأخلاقي والثقافي، أصبح انتشار الفضائح مجالًا رحبًا، لا مجال للسيطرة عليه، سوى بعض التدابير القانونية والتي ما زالت غير قادرة على التصدي ومقاومة الجوع الذي لا يشبع إلا بتناول مادة المفضوحين في مختلف القضايا، أهمها الأخلاقية المرتبطة بالعار والهوان.

واقع الحال يؤكد أنه رغم انتشار الفضائح وتداولها، مازال وادي الفضائح جارٍ، بل تحول من واد إلى نهرٍ عميق القاع يشم البعيد رائحته النتنة. فهل نَشرها حلًّا مُرتضى؟!

ألم يفكر الناشر في عُقبى نشر الفضيحة؟! لو سأل الجاني نفسه: ماذا لو كنت أنا المفضوح؟! ماذا لو كان قريبا أو صديقا أو عزيزا؟! بل قبلها، ما هو شعور المفضوح وهو يرى فضيحته التي ارتكبها في لحظة غيّبه عقله وضميره. أو كانت دون قصد. ما الضير أن نسوْق المبررات؟! أو أن نعاند «أنا النرجسية» بالرأفة والشفقة في حال المفضوح وذويه. مع الإيمان، بأن كلُ ابن آدم خطّاء.

يتبادر إلى ذهن العاقل التساؤل: أليس من المُعيْب والمخزي الانشغال بفضائح الآخرين وقضاياهم؟! أليس من الأولى مراقبة الذات وتهذيبها بدل توكيل أنفسنا قضاةً على المفضوحين؟!



بقلم : زهرة بنت سعيد القايدي

زهرة بنت سعيد القايدي