كتاب وأراء

الجامعي الصغير!

إن المجتمع جسم حي له صفة الديمومة، ويضمن استمرار ديمومته، وتجدد خلاياه التي هي عبارة عن أجيال تتواصل على الشكل التالي الطفولة والمراهقة وهي تمثل مرحلة ولادة الخلية الجديدة وإعدادها لمرحلة الدخول إلى دائرة المجتمع، فيكون تكوين المجتمع صحيحاً أو عليلاً استناداً إلى صحة تلك الخلية أو علتها، ومرحلة الشباب حيث تنتقل الخلية الجديدة بعد إعدادها، في مرحلتيْ الطفولة والمراهقة، إلى مرحلة الإنتاج الناشطة في شتى مفاصل المجتمع.
إنّ هِمم الشباب لا يمكن المساومة عليها، فهي المعوّل الحقيقي لكل نماء وعمران، لكل دفعٍ وتقدم، وفي كل يوم ولله الحمد والمنّة تجد أن شبابنا الناضج فكريا وعمريا يأتي بالجديد، فلا تخلو الساحة لدينا من برامج وأنشطة وابتكارات يأتي بها الشباب ويقدمونها للمجتمع الذي نعيش فيه، يمكنني القول الآن إن حياتنا المتزاحمة استفادت قليلا من مد هذه الثورة الرقمية المجتمعية التي تجتاح الأرض والتي تسمى بالعولمة، فأصبحنا نحاكي الآخر ونأخذ منه الطيب تماما كما ننتقي ونرتضي بالسيئ لأنفسنا، وحقيقة ألاحظ كما يلاحظ الكثير أن شبابنا الواعي أصبح يحاكي ويفاضل كذلك كل المبادرات الشبابية التي تنفذ على نطاق العالم ككل، فأصبح لدينا اليوم أرخبيل نشط من الشباب الواعي المثقف والجاد والذي يقوم بتخطيط وتنفيذ عدد كبير من الحملات والمبادرات الوطنية والمجتمعية والتي يبتغي بها عمران المجتمع ونماءه على مختلف الأصعدة والمجالات.
وتأتي مبادرة (اصنع خيرا) ضمن المبادرات الإنسانية الشبابية الواعدة والتي انطلقت من أرض جامعة قطر، حيث كانت أحد المشاريع المنفذة من قبل الطالبتين المميزتين فاطمة المريخي وتغريد العتيبي واللتين قامتا بتخطيط وتنفيذ هذه الحملة والتي تهدف إلى ادخال البهجة والسرور والفرحة في نفوس الأطفال الايتام في عيد الاضحى المبارك والتخفيف على عاتقهم فقدانهم آباءهم، وتعزيز مبدأ التكافل الاجتماعي والإنساني بين المسلمين، حيث جاءت فكرة المبادرة لتوزيع (الكسوة والعيدية) على الأيتام في قطر، وتقدم المبادرة التي تدعمها مشكورة قطر الخيرية عددا من الخدمات منها (عيدية الأطفال) وهي عبارة عن مبلغ مالي يقدم للأطفال اليتامى وذلك بجانب الكوبونات المقدمة من المحلات التجارية أو المؤسسات المشاركة، كما تقدم المبادرة تجربة (أهدهم تجربتك) والتي تتضمن منافسة 6 فرق مختلفة بحيث يقود كل فريق مؤثرا واحدا بمشاركة عدد من الاطفال وتقوم المنافسة بين المشاركين بحسب برنامج يعد وفق تخصص كل قائد، وفي الختام يتم توزيع الجوائز وسط حفل ختامي، وفي الحقيقة كنت من ضمن الأسماء التي رشحت للمشاركة في هذه المبادرة حيث قمت بالمشاركة في برنامج قمت بتخطيطه وتنفيذه بعنوان (الجامعي الصغير) وهو برنامج علمي ترفيهي منوع، ينضم تحت سقف جامعة قطر ويضم عددا من الندوات العلمية والأدبية المنوعة التي تعكس صبغة الحياة الجامعية ذات الوتيرة المتوالية والثرية والمنوعة في جو روعي فيه الترفيه وعامل السن والفائدة القصوى لقادة المستقبل، حيث ارتأيت تنفيذ برنامجي في بيئة تعليمية وذلك تحضيرا للأطفال من هذه السنة لهذه المرحلة المهمة في حياتهم العلمية في جو علمي ترفيهي يتناسب مع أعمارهم ويحقق لهم هدفي الفائدة والتسلية، وتم تنفيذ البرنامج خلال يومين، اليوم الأول اتسم بصبغة أدبية وفنية واليوم الثاني اتسم بصبغة علمية (الأمر الذي يعكس الصبغة المتنوعة علميا في الحرم الجامعي) وفي نهاية البرنامج استلم الطلاب شهادة صرفها لهم فرع الإعلام برابطة خريجي جامعة قطر حول مشاركتهم في هذا البرنامج (برنامج الجامعي الصغير)، حيث مارست كقائد للفريق دور الأستاذ في ورشة العمل التي قدمتها في اليوم الأول حول منصات التواصل الاجتماعي(الأمنية والأخلاقيات)، كما مارست دور الأستاذ المشارك في كل ورش العمل التي نظمت بعد ذلك الأمر الذي يعكس الطبيعة الجامعية للتدريس في منظومة الجامعة بشكل عام.
وتضمن برنامج الجامعي الصغير والذي استفاد منه ستة من الطلاب (قادة المستقبل) من سن 10 حتى 14 سنة عدد من ورش العمل المتنوعة حيث تضمن البرنامج في يومه الأدبي الفني الأول (اضافةَ على ورشة عمل منصات التواصل الاجتماعي التي قدمتها) ورشة بعنوان (التعامل مع الصم والبكم) قدمتها الأستاذة حنين طوق المتخصصة في مجالي الترجمة السمعية والبصرية والتعامل مع ذوي الاحتياجات الخاصة، كما تضمن البرنامج ورشة بعنوان (الكاريكاتير والمجتمع) قدمها الفنان القطري عبدالعزيز صادق، تلتها جلسة نظرية وعملية في فنون التصوير الضوئي قدمها المصور الفوتوغرافي الأستاذ علي عماد، تلتها كذلك حلقة تجويد للقرآن الكريم قدمها الإمام والمهندس أمين الحق امداد الحق، أما اليوم الثاني وهو اليوم العلمي التقني ورشة بعنوان (الماء هو الحياة) قدمتها أخصائية التغذية الإكلينيكية الأستاذة آمنة عبدالكريم، ومن ثمّ قام الفريق الطلابي بزيارة مركز المواد المتقدمة وأخذ ورشة عمل تضمنت تنفيذ عدد من التجارب العلمية في عدة مختبرات ومعامل في جو مليء بالمنافسة والتسلية والمتعة العلمية.
قارئي العزيز لقد أثبتت مختلف الدراسات الاجتماعية أن مستقبل أي وطن ومجتمع، يكون نابعا من طاقات عناصرها الشابة، إنهم الركن الأساسي الذي ينبغي أن ترتكز عليه المجتمعات في تنميتها وتطورها وسعيها نحو الأفضل، وفي الختام أتمنى كل التوفيق والسداد لرواد مبادرة (اصنع خيرا) هؤلاء الشباب الذين يمارسون مواطنتهم المجتمعية الرائدة ويستفيدون من فتيل عزيمتهم وشبابهم المتقد ويوجهون طاقاتهم نحو خير أنفسهم والآخرين فالعالمين جميعا، بوركت كل تلك الجهود والجهود المماثلة الأخرى، فمجتمعنا الصغير ثري جدا بالخير، فموجهات الخير كثيرة يبقى أن تدعم طاقات الشباب في هذا المجال وتُساعد على الدوام من أصحاب الاختصاص في مختلف المجالات وذلك كي تكلل الآمال والأحلام بالثمار وجميل العمل.
كاتبة وباحثة أكاديمية

بقلم : خولة مرتضوي

خولة مرتضوي